إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٥ - و نحن الآن نعد آفات اللسان
فهذه آفات كثيرة،و هي سياقة إلى اللسان،لا تثقل عليه،و لها حلاوة في القلب، و عليها بواعث من الطبع و من الشيطان ،و الخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان، فيطلقه بما يحب و يكفه عما لا يحب،فإن ذلك من غوامض العلم كما سيأتي تفصيله ففي الخوض خطر،و في الصمت سلامة .فلذلك عظمت فضيلته.هذا مع ما فيه من جمع الهم،و دوام الوقار،و الفراغ للفكر و الذكر و العبادة،و السلامة من تبعات القول في الدنيا،و من حسابه في الآخرة،فقد قال تعالى مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّٰ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [١]و يدلك على فضل لزوم الصمت أمر،و هو أن الكلام أربعة أقسام،قسم هو ضرر محض،و قسم هو نفع محض و قسم فيه ضرر و منفعة،و قسم ليس فيه ضرر و لا منفعة أما الذي هو ضرر محض،فلا بد من السكوت عنه،و كذلك ما فيه ضرر و منفعة لا تفي بالضرر و أما ما لا منفعة فيه و لا ضرر،فهو فضول،و الاشتغال به تضييع زمان،و هو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الرابع .فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام ،و بقي ربع.و هذا الربع فيه خطر،إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء،و التصنع،و الغيبة،و تزكية النفس،و فضول الكلام،امتزاجا يخفى دركه،فيكون الإنسان به مخاطرا و عن عرف دقائق آفات اللسان على ما سنذكره،علم قطعا أن ما ذكره صلى اللّه عليه و سلم هو فصل الخطاب،حيث قال[١]«من صمت نجا»[٢]فلقد أوتي و اللّه جواهر الحكم قطعا،و جوامع الكلم،و لا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء،و فيما سنذكره من الآفات،و عسر الاحتراز عنها،ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و نحن الآن نعد آفات اللسان
،و نبتدئ بأخفها،و تترقى إلى الأغلظ قليلا و نؤخر الكلام في الغيبة و النميمة و الكذب،فإن النظر فيها أطول،و هي عشرون آفة،فاعلم ذلك ترشد بعون اللّه تعالى
[١] ق:١٨