إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٨ - فإن قلت فالداعى إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفون؟
و لا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت.فالصلاة محك القلوب،فيها يظهر محاسنها و مساويها. فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا،فلا جرم لا ينطرد عنك الشيطان،بل ربما يزيد عليك الوسواس،كما أن الدواء قبل الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر.فإن أردت الخلاص من الشيطان،فقدم الاحتماء بالتقوى،ثم أردفه بدواء الذكر،يفر الشيطان منك،كما فر من عمر رضى اللّه عنه.و لذلك قال وهب بن منبه اتق اللّه و لا تسب الشيطان في العلانية،و أنت صديقه في السر.أي أنت مطيع له.و قال بعضهم يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته بإحسانه،و يطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه.
و كما أن اللّه تعالى قال اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [١]و أنت تدعوه و لا يستجيب لك،فكذلك تذكر اللّه و لا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر و الدعاء قيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟و قد قال تعالى اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٢]قال لأن قلوبكم ميتة.قيل و ما الذي أماتها؟قال ثمان خصال:عرفتم حق اللّه و لم تقوموا بحقه،و قرأتم القرءان و لم تعملوا بحدوده،و قلتم نحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لم تعملوا بسنته،و قلتم نخشى الموت و لم تستعدوا له،و قال تعالى إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [٣]فواطأتموه على المعاصي،و قلتم نخاف النار و أرهقتم أبدانكم فيها، و قلتم نحب الجنة و لم تعملوا لها،و إذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم و افترشتم عيوب الناس أمامكم،فأسخطتم ربكم،فكيف يستجيب لكم
فإن قلت:فالداعى إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفون؟
فاعلم أنه لا حاجة لك إلى معرفة ذلك في المعاملة.فاشتغل بدفع العدو،و لا تسأل عن صفته.
كل البقل من حيث يؤتى،و لا تسأل عن المبقلة.و لكن الذي يتضح بنور الاستبصار في شواهد الأخبار أنهم جنود مجندة،و أن لكل نوع من المعاصي شيطانا يخصه و يدعو إليه.
فأما طريق الاستبصار فذكره يطول،و يكفيك القدر الذي ذكرناه،و هو أن اختلاف المسببات يدل على اختلاف الأسباب،كما ذكرناه في نور النار و سواد الدخان
[١] غافر:٦٠
[٢] غافر:٦٠
[٣] فاطر:٦