إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٨ - الفائدة السابعة تيسير المواظبة على العبادة
الفائدة السادسة:دفع النوم،و دوام السهر.
فإن من شبع شرب كثيرا ،و من كثر شربه كثر نومه.و لأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند حضور الطعام،معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرا،فتشربوا كثيرا،فترقدوا كثيرا،فتخسروا كثيرا.و أجمع رأى سبعين صديقا،على أن كثرة النوم من كثرة الشرب.و في كثرة النوم ضياع العمر،و فوت التهجد،و بلادة الطبع،و قساوة القلب،و العمر أنفس الجواهر،و هو رأس مال العبد فيه يتجر.و النوم موت،فتكثيره ينقص العمر.ثم فضيلة التهجد لا تخفى .و في النوم فواتها و مهما غلب النوم،فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة.ثم المتعزب إذا نام على الشبع احتلم.
و يمنعه ذلك أيضا من التهجد،و يحوجه إلى الغسل،إما بالماء البارد فيتأذى به،أو يحتاج إلى الحمام و ربما لا يقدر عليه بالليل،فيفوته الوتر إن كان قد أخره إلى التهجد.ثم يحتاج إلى مئونة الحمام،و ربما تقع عينه على عورة في دخول الحمام،فإن فيه أخطارا ذكرناها في كتاب الطهارة.و كل ذلك أثر الشبع.و قد قال أبو سليمان الداراني:الاحتلام عقوبة.
و إنما قال ذلك لأنه يمنع من عبادات كثيرة،لتعذر الغسل في كل حال.فالنوم منبع الآفات و الشبع مجلبة له،و الجوع مقطعة له
الفائدة السابعة:تيسير المواظبة على العبادة .
فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات،لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل.و ربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام و طبخه،ثم يحتاج إلى غسل اليد و الخلال،ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه.و الأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر و المناجاة و سائر العبادات،لكثر ربحه.قال السرىّ:رأيت مع على الجرجاني سويقا يستف منه،فقلت ما حملك على هذا؟قال إنى حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة،فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة .فانظر كيف أشفق على وقته و لم يضيعه في المضغ !و كل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها،فينبغي أن يستوفى منه خزانة باقية في الآخرة لا آخر لها،و ذلك بصرفه إلى ذكر اللّه و طاعته و من جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة و ملازمة المسجد،فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء و إراقته