إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٤ - فإن أردت أن تعرف الوسط
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اللّٰهُ بِأَمْرِهِ [١]فمن عنده شيء أحب إليه من اللّه فقلبه مريض.كما أن كل معدة صار الطين أحب إليها من الخبز و الماء،أو سقطت شهوتها عن الخبز و الماء،فهي مريضة فهذه علامات المرض و بهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة،إلا ما شاء اللّه. إلا أن من الأمراض ما لا يعرفها صاحبها.و مرض القلب مما لا يعرفه صاحبه.فلذلك يغفل عنه.و إن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه.فإن دواءه مخالفة الشهوات.و هو نزع الروح.فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه،لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه.فإن الأطباء هم العلماء،و قد استولى عليهم المرض فالطبيب المريض فلما يلتفت إلى علاجه. فلهذا صار الداء عضالا،و المرض مزمنا،و اندرس هذا العلم،و أنكر بالكلية طب القلوب،و أنكر مرضها،و أقبل الخلق على حب الدنيا و على أعمال ظاهرها عبادات،و باطنها عادات و مراآت.فهذه علامات أصول الأمراض
و أما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة
،فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها فإن كان يعالج داء البخل،فهو المهلك المبعد عن اللّه عز و جل،و إنما علاجه ببذل المال و إنفاقه و لكنه قد يبذل المال إلى حد يصير به مبذرا،فيكون التبذير أيضا داء.فكان كمن يعالج البرودة بالحرارة،حتى تغلب الحرارة،فهو أيضا داء.بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة و البرودة.و كذلك المطلوب الاعتدال بين التبذير و التقتير،حتى يكون على الوسط،و في غاية البعد عن الطرفين.
فإن أردت أن تعرف الوسط
،فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور.فإن كان أسهل عليك و ألذ من الذي يضاده،فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له،مثل أن يكون إمساك المال و جمعه،ألذ عندك و أيسر عليك من بذله لمستحقه.فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل،فزد في المواظبة على البذل.فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك و أخف عليك من الإمساك بالحق،فقد غلب عليك التبذير،فارجع إلى المواظبة على الإمساك.فلا تزال تراقب نفسك،و تستدل على خلقك بتسيير الأفعال و تعسيرها،حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال،فلا تميل إلى بذله،و لا إلى إمساكه،بل يصير عندك كالماء،
[١] التوبة:٢٤