إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٣ - و أما مشاهدة ذلك بالتجارب
و قد قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ من أمّتى محدّثين و معلّمين و مكلّمين و إنّ عمر منهم»و قرأ ابن عباس رضى اللّه عنهما:و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث يعنى الصديقين،و المحدث هو الملهم،و الملهم هو الذي انكشف له في باطن قلبه من جهة الداخل،لا من جهة المحسوسات الخارجة.و القرءان مصرح بأن التقوى مفتاح الهداية و الكشف.و ذلك علم من غير تعلم و قال اللّه تعالى وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [١]خصصها بهم.و قال تعالى هٰذٰا بَيٰانٌ لِلنّٰاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [٢]و كان أبو يزيد و غيره يقول:ليس العالم الذي يحفظ من كتاب.فإذا نسى ما حفظه صار جاهلا إنما العالم الذي يأحذ علمه من ربه أي وقت شاء،بلا حفظ و لا درس.و هذا هو العلم الرباني و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً [٣]مع أن كل علم من لدنه،و لكن بعضها بوسائط تعليم الخلق،فلا يسمى ذلك علم الدنيا،بل اللدني الذي ينفتح في سر القلب من غير سبب مألوف من خارج فهذه شواهد النقل.و لو جمع كل ما ورد فيه من الآيات و الأخبار و الآثار لخرج عن الحصر
و أما مشاهدة ذلك بالتجارب
،فذلك أيضا خارج عن الحصر.و ظهر ذلك على الصحابة و التابعين و من بعدهم .و قال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه لعائشة رضى اللّه عنها عند موته،إنما هما أخواك و أختاك،و كانت زوجته حاملا،فولدت بنتا.فكان قد عرف قبل الولادة أنها بنت. و قال عمر رضى اللّه عنه في أثناء خطبته،يا سارية الجبل الجبل.إذ انكشف له أن العدوّ قد أشرف عليه،فحذره لمعرفته ذلك،ثم بلوغ صوته إليه من جملة الكرامات العظيمة و عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال:دخلت على عثمان رضى اللّه عنه،و كنت قد لقيت امرأة في طريقى،فنظرت إليها شزرا، و تأملت محاسنها،فقال عثمان رضى اللّه عنه،لما دخلت يدخل علي أحدكم و أثر الزنا ظاهر على عينيه!أما علمت أن زنا العينين النظر؟لتتوبن أو لأعزرنك
[١] يونس:٦
[٢] آل عمران:١٣٨
[٣] الكهف:٦٥