إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٩ - الصنف الثالث أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر
كل ذلك من خلق اللّه تعالى.فمن أين يعجب به!فيخنس الشيطان،إذ لا يمكنه أن يقول ليس هذا من اللّه.فإن المعرفة و الإيمان يدفعه.فهذا نوع من الوسواس،ينقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان و المعرفة
الصنف الثاني:أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة و هيجانها.
و هذا ينقسم إلى ما يعلم العبد يقينا أنه معصية،و إلى ما يظنه بغالب الظن.فإن علمه يقينا،خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة،و لم يخنس عن التهييج.و إن كان مظنونا،فربما يبقى مؤثرا،بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه،فتكون الوسوسة موجودة، و لكأنها مدفوعة غير غالبة
الصنف الثالث:أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر
،و تذكر الأحوال الغالبة،و التفكر في غير الصلاة مثلا.فإذا أقبل على الذكر،تصور أن يندفع ساعة و يعود،و يندفع و يعود فيتعاقب الذكر و الوسوسة، و يتصور أن يتساوقا جميعا،حتى يكون الفهم مشتملا على فهم معنى القراءة،و على تلك الخواطر،كأنهما في موضعين من القلب.و بعيد جدا أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر.و لكنه ليس محالا.إذ قال عليه السلام[١]«من صلّى ركعتين لم يحدّث فيهما نفسه بشيء من أمر الدّنيا غفر له ما تقدّم من ذنبه»فلو لا أنه متصور لما ذكره.إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب،حتى صار كالمستهتر.فإنا قد نرى المستوعب القلب بعد و تأذى به،قد يتفكر بمقدار ركعتين و ركعات في مجادلة عدوه،بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه.كذلك المستغرق في الحب، قد يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه،و يغوص في فكره،بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه.و لو كلمه غيره لم يسمع و لو اجتاز بين يديه أحد لكان كأنه لا يراه.و إذا تصور هذا في خوف من عدو،و عند الحرص على مال و جاه،فكيف لا يتصور من خوف النار و الحرص على الجنة!و لكن ذلك عزيز لضعف الإيمان باللّه تعالى و اليوم الآخر و إذا تأملت جملة هذه الأقسام و أصناف الوسواس،علمت أن لكل مذهب من المذاهب وجها،و لكن في محل مخصوص