إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠ - كيفية علاج أمراض النفس
مثال النفس في علاجها،بمحو الرذائل و الأخلاق الرديئة عنها،و جلب الفضائل و الأخلاق الجميلة إليها،مثال البدن في علاجه،بمحو العلل عنه،و كسب الصحة له و جلبها إليه.و كما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال،و إنما تعترى المعدة المضرة بعوارض الأغذية و الأهوية و الأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة،و إنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه،أي بالاعتياد و التعليم تكتسب الرذائل.و كما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا،و إنما يكمل و يقوى بالنشو و التربية بالغذاء،فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال،و إنما تكمل بالتربية و تهذيب الأخلاق،و التغذية بالعلم
[كيفية علاج أمراض النفس]
و كما أن البدن إن كان صحيحا،فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة،و إن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه.فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة،فينبغي أن تسعى لحفظها،و جلب مزيد قوة إليها و اكتساب زيادة صفائها و إن كانت عديمة الكمال و الصفاء،فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها و كما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن،الموجبة للمرض،لا تعالج إلا بضدها،فإن كانت من حرارة فبالبرودة،و إن كانت من برودة فبالحرارة،فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها،فيعالج مرض الجهل بالتعلم،و مرض البخل بالتسخى، و مرض الكبر بالتواضع،و مرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا و كما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء،و شدة الصبر عن المشتهيات، لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة و الصبر،لمداواة مرض القلب،بل أولى.فإن مرض البدن يخلص منه بالموت،و مرض القلب و العياذ باللّه تعالى،مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد و كما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها الحرارة،إلا إذا كان على حد مخصوص،و يختلف ذلك بالشدة و الضعف،و الدوام و عدمه،و بالكثرة و القلة،و لا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه،فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد،فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار و كما أن معيار الدواء مأخوذ من عيار العلة حتى أن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة،فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها،أ هي ضعيفة أم قوية،فإذا عرف ذلك