إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٥ - فإن قلت فما العلاج في دفع الشيطان؟
فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب.و لو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه.و في هذا القدر ما ينبه على غيره،فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا و هي سلاح الشيطان و مدخل من مداخله
فإن قلت:فما العلاج في دفع الشيطان؟
و هل يكفي في ذلك ذكر اللّه تعالى.و قول الإنسان لا حول و لا قوة إلا باللّه؟ فاعلم أن علاج القلب في ذلك سد هذه المداخل،بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة،و ذلك مما يطول ذكره و غرضنا في هذا الربع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات،و تحتاج كل صفة إلى كتاب منفرد على ما سيأتي شرحه.نعم إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات،كان للشيطان بالقلب اجتيازات و خطرات،و لم يكن له استقرار، و يمنعه من الاجتياز ذكر اللّه تعالى،لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى،و تطهيره من الصفات المذمومة، و إلا فيكون الذكر حديث نفس،لا سلطان له على القلب،فلا يدفع سلطانى الشيطان.و لذلك قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذٰا مَسَّهُمْ طٰائِفٌ مِنَ الشَّيْطٰانِ تَذَكَّرُوا فَإِذٰا هُمْ مُبْصِرُونَ [١]خصص بذلك المتقي:فمثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك،فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم،فإنه ينزجر بأن تقول له اخسأ،فمجرد الصوت يدفعه.فإن كان بين يديك لحم و هو جائع،فإنه يهجم على اللحم و لا يندفع بمجرد الكلام.فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر.فأما الشهوة إذا غلبت على القلب،دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب،فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب.و أما قلوب المتقين الخالية من الهوى و الصفات المذمومة،فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات،بل لخلوها بالغفلة عن الذكر،فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان،و دليل ذلك قوله تعالى فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ الشَّيْطٰانِ الرَّجِيمِ [٢]و سائر الأخبار و الآيات الواردة في الذكر قال أبو هريرة، التقى شيطان المؤمن و شيطان الكافر.فإذا شيطان الكافر دهين سمين كأس،و شيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار.فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن
[١] الأعراف:٢٠١
[٢] النحل:٩٨