إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٢ - الوظيفة الثالثة في نوع الطعام،و ترك الأدام
فقلت لا تبرح حتى بشربها.فلما كان من الغد،جعلت له نحوها،فردها و لم بشربها.فعاتبته و لمته على ذلك،و قلت سبحان اللّه رددت علىّ كرامتي،فلما رأى وجدى لذلك،قال لا يسوؤك هذا.إنى قد شربتها أول مرة،و قد راودت نفسي في المرة الثانية على شربها فلم أقدر على ذلك،كلما أردت ذلك ذكرت قوله تعالى يَتَجَرَّعُهُ وَ لاٰ يَكٰادُ يُسِيغُهُ [١]الآية.قال صالح،فبكيت و قلت في نفسي،أنا في واد و أنت في واد آخر.
و قال السري السقطي،نفسى منذ ثلاثين سنة تطالبنى أن أغمس جزرة في دبس، فما أطعمتها .و قال أبو بكر الجلاء،أعرف رجلا تقول له نفسه،أنا أصبر لك على طي عشرة أيام،و أطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها،فيقول لها،لا أريد أن تطوى عشرة أيام و لكن اتركي هذه الشهوة .و روى أن عابدا دعا بعض إخوانه فقرب إليه رغفانا.فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار أجودها.فقال له العابد،مه أي شيء تصنع؟أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه كذا و كذا حكمة؟و عمل فيه كذا و كذا صانعا حتى استدار.
من السحاب الذي يحمل الماء،و الماء الذي يسقى الأرض،و الرياح،و الأرض،و البهائم، و بني آدم،حتى صار إليك،ثم أنت بعد هذا تقلبه و لا ترضى به! و في الخبر[١]لا يستدير الرغيف و يوضع بين يديك،حتى يعمل فيه ثلاثمائة و ستون صانعا.أولهم ميكائيل عليه السلام،الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة،ثم الملائكة التي تزجى السحاب، و الشمس و القمر،و الأفلاك،و ملائكة الهواء و دواب الأرض،و آخرهم الخباز وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا [٢]و قال بعضهم أتيت قاسما الجرعى،فسألته عن الزهد أي شيء هو؟فقال أي شيء سمعت فيه؟فعددت أقوالا ،فسكت.فقلت و أي شيء تقول أنت؟فقال اعلم أن البطن دنيا العبد.فبقدر ما يملك من بطنه يملك من الزهد.و بقدر ما يملكه بطنه،تملكه الدنيا و كان بشر بن الحارث قد اعتل مرة،فأتى عبد الرحمن الطبيب يسأله عن شيء يوافقه من المأكولات.فقال تسألني فإذا وصفت لك لم تقبل منى؟قال صف لي حتى أسمع .
[١] إبراهيم:١٧
[٢] إبراهيم:٣٤ و النحل ١٣