إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٢ - التدرج في التطهر من الذنوب
كالذي يغسل الدم بالبول،ثم يغسل البول بالماء،إذا كان الماء لا يزيل الدم.كما يرغب الصبي في المكتب،باللعب بالكرة و الصولجان و ما أشبهه،ثم ينقل من اللعب إلى الزينة و فاخر الثياب،ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرئاسة و طلب الجاه،ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة. فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة، فلينقل إلى جاه أخف منه.و كذلك سائر الصفات.و كذلك إذا رأى شره الطعام غالبا عليه.ألزمه الصوم و تقليل الطعام،ثم يكلفه أن يهيء الأطعمة اللذيذة،و يقدمها إلى غيره،و هو لا يأكل منها،حتى يقوى بذلك نفسه،فيتعود الصبر و ينكسر شرهه.و كذلك إذا رآه شابا متشوقا إلى النكاح،و هو عاجز عن الطول،فيأمره بالصوم.و ربما لا تسكن شهوته بذلك،فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز و ليلة على الخبز دون الماء،و يمنعه اللحم و الأدم رأسا،حتى تذل نفسه،و تنكسر شهوته.
فلا علاج في مبدإ الإرادة أنفع من الجوع.و إن رأى الغضب غالبا عليه،ألزمه الحلم و السكوت،و سلط عليه من يصحبه ممن فيه سوء خلق،و يلزمه خدمة من ساء خلقه، حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه.كما حكى عن بعضهم أنه كان يعود نفسه الحلم،و يزيل عن نفسه شدة الغضب،فكان يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس،و يكلف نفسه الصبر و يكظم غيظه،حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل.و بعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن و ضعف القلب،فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة،فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج.و عباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على نصبة واحدة.و بعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام،فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع.و عالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله و رمى به في البحر،إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود،و الرياء بالبذل فهذه الأمثلة تعرفك طريق معالجة القلوب.و ليس غرضنا ذكر دواء كل مرض،فإن ذلك سيأتي في بقية الكتب.و إنما غرضنا الآن التنبيه على أن الطريق الكلى فيه سلوك مسلك المضادة لكل ما تهواه النفس،و تميل إليه.و قد جمع اللّه ذلك كله في كتابه العزيز