إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٢ - ثم المريد المتجرد للذكر و الفكر،قد يقطعه قواطع كثيرة
له جلال الحضرة الربوبية،و تجلى له الحق،و ظهر له من لطائف اللّه تعالى ما لا يجوز أن يوصف،بل لا يحيط به الوصف أصلا.و إذا انكشف للمريد شيء من ذلك؟فأعظم القواطع عليه أن يتكلم به وعظا و نصحا ،و يتصدى للتذكير،فتجد النفس فيه لذة ليس وراءها لذة فتدعوه تلك اللذة إلى أن يتفكر في كيفية إيراد تلك المعاني،و تحسين الألفاظ المعبرة عنها،و ترتيب ذكرها،و تزيينها بالحكايات و شواهد القرءان و الأخبار،و تحسين صنعة الكلام،لتميل إليه القلوب و الأسماع.فربما يخيل إليه الشيطان أن هذا إحياء منك لقلوب الموتى الغافلين عن اللّه تعالى،و إنما أنت واسطة بين اللّه تعالى و بين الخلق،تدعو عباده إليه،و مالك فيه نصيب،و لا لنفسك فيه لذة.و يتضح كيد الشيطان بأن يظهر في أقرانه من يكون أحسن كلاما منه،و أجزل لفظا،و أقدر على استجلاب قلوب العوام.فإنه يتحرك في باطنه عقرب الحسد لا محالة،إن كان محركه كيد القبول.و إن كان محركه هو الحق حرصا على دعوة عباد اللّه تعالى إلى صراطه المستقيم،فيعظم به فرحه،و يقول الحمد للّه الذي عضدنى و أيدنى بمن وازرني على إصلاح عباده.كالذي وجب عليه مثلا أن يحمل ميتا ليدفنه إذ وجده ضائعا،و تتعين عليه ذلك شرعا،فجاء من أعانه عليه،فإنه يفرح به،و لا يحسد من يعينه.و الغافلون موتى القلوب،و الوعاظ هم المنبهون و المحيون لهم،ففي كثرتهم استرواح و تناصر،فينبغي أن يعظم الفرح بذلك،و هذا عزيز الوجود جدا.فينبغي أن يكون المريد على حذر منه،فإنه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق .فإن إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان،و لذلك قال اللّه تعالى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا [١]ثم بين ان الشر قديم في الطباع،و أن ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال إِنَّ هٰذٰا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولىٰ صُحُفِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ [٢]فهذا منهاج رياضة المريد و تربيته في التدريج إلى لقاء اللّه تعالى فأما تفصيل الرياضة في كل صفة،فسيأتي.فإن أغلب الصفات على الإنسان بطنه و فرجه و لسانه و أعنى به الشهوات المتعلقة بها ثم الغضب الذي هو كالجند لحماية الشهوات.ثم مهما أحب الإنسان شهوة البطن و الفرج.و أنس بهما،أحب الدنيا،و لم يتمكن منها الا بالمال
[١] الأعلى:١٦
[٢] الأعلى:١٨