إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - و الرابعة أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد
و هي ضرورية في الجبلة.فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان،و لو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل،و لو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه و لهلك.و مهما بقي أصل الشهوة،فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة،حتى يحمله ذلك على إمساك المال.و ليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية.بل المطلوب ردها إلى الاعتدال،الذي هو وسط بين الإفراط و التفريط.و المطلوب في صفة الغضب حسن الحمية و ذلك بأن يخلو عن التهور و عن الجبن جميعا. و بالجملة أن يكون في نفسه قويا،و مع قوته منقادا للعقل.و لذلك قال اللّه تعالى أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ [١]وصفهم بالشدة و إنما تصدر الشدة عن الغضب:و لو بطل الغضب لبطل الجهاد.و كيف يقصد قلع الشهوة و الغضب بالكلية،و الأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك.إذ قال صلى اللّه عليه و سلم [١]«إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر»[٢]و كان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب،حتى تحمر وجنتاه.و لكن لا يقول إلا حقا.فكان عليه السلام لا يخرجه غضبه عن الحق.و قال تعالى وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ [٢]و لم يقل و الفاقدين الغيظ.
فرد الغضب و الشهوة إلى حد الاعتدال،بحيث لا يقهر واحد منهما العقل،و لا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما،و الغالب عليهما،ممكن.و هو المراد بتغيير الخلق.فإنه ربما تستولى الشهوة على الإنسان،بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش و بالرياضة تعود إلى حد الاعتدال.فدل أن ذلك ممكن.و التجربة و المشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها
[١] الفتح:٢٩
[٢] آل عمران:١٣٤