إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٤ - و الرابعة أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد
و الذي يدل على أن المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين،أن السخاء خلق محمود شرعا،و هو وسط بين طرفي التبذير و التقتير.و قد أثنى اللّه تعالى عليه فقال وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً [١]و قال تعالى وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لاٰ تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ [٢]و كذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره و الجمود.قال اللّه تعالى وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لاٰ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [٣]و قال في الغضب أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ [٤]و قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«خير الأمور أوساطها» و هذا له سر و تحقيق،و هو أن السعادة منوطة بسلامة القلب عن عوارض هذا العالم.قال اللّه تعالى إِلاّٰ مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [٥]و البخل من عوارض الدنيا.و التبذير أيضا من عوارض الدنيا.و شرط القلب أن يكون سليما منهما،أي لا يكون ملتفتا إلى المال،و لا يكون حريصا على إنفاقه و لا على إمساكه.فإنّ الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق،كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك فكان كمال القلب أن يصفو عن الوصفين جميعا.و إذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الأشبه لعدم الوصفين،و أبعد عن الطرفين،و هو الوسط.فإن الفاتر لا حار و لا بارد،بل هو وسط بينهما،فكأنه خال عن الوصفين.فكذلك السخاء بين التبذير و التقتير.
و الشجاعة بين الجبن و التهور.و العفة بين الشره و الجمود.و كذلك سائر الأخلاق.فكلا طرفي الأمور ذميم.هذا هو المطلوب.و هو ممكن.نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبح عنده الغضب رأسا،و يذم إمساك المال رأسا،و لا يرخص له في شيء منه،لأنه لو رخص له في أدنى شيء اتخذ ذلك عذرا في استبقاء بخله و غضبه،و ظن أنه القدر المرخص فيه.فإذا قصد قطع الأصل،و بالغ فيه،و لم يتيسر له إلا كسر سورته،بحيث يعود إلى الاعتدال،فالصواب له أن يقصد قلع الأصل،حتى يتيسر له القدر المقصود،فلا يكشف هذا السر للمريد،فإنه موضع غرور الحمقى،إذ يظن بنفسه أن غضبه بحق،و أن إمساكه بحق.
[١] الفرقان:٦٧
[٢] الاسراء:٢٩
[٣] الأعراف:٣١
[٤] الفتح:٢٩
[٥] الشعراء:٨٩