إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٨ - و حد الكلام فيما لا يعنيك ،أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم
و اعفه مما تحب أن يعفيك منه،و عامل أخاك بما تحب أن يعاملك به،و اعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاجترام .و قيل للقمان الحكيم،ما حكمتك؟قال لا أسأل عما كفيت، و لا أتكلف ما لا يعنيني .و قال مورق العجلي،أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة،لم أقدر عليه،و لست بتارك طلبه.قالوا و ما هو؟قال السكوت عما لا يعنيني.و قال عمر رضى اللّه عنه لا تتعرض لما لا يعنيك،و اعتزل عدوك،و احذر صديقك من القوم إلا الأمين،و لا أمين إلا من خشي اللّه تعالى.و لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره،و لا تطلعه على سرك،و استشر في أمرك الذين يخشون اللّه تعالى
و حد الكلام فيما لا يعنيك ،أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم
،و لم تستضر به في حال،و لا مال.مثاله أن تجلس مع قوم،فتذكر لهم أسفارك.و ما رأيت فيها من جبال و أنهار ،و ما وقع لك من الوقائع،و ما استحسنته من الأطعمة و الثياب،و ما تعجبت منه من مشايخ البلاد و وقائعهم.فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم و لم تستضر.و إذا بالغت في الجهاد،حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة و لا نقصان،و لا تزكية نفس،من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة،و لا اغتياب لشخص،و لا مذمة لشيء مما خلقه اللّه تعالى،فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك .و أنّى تسلم من الآفات التي ذكرناها! و من جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك .فأنت بالسؤال مضيع وقتك،و قد ألجأت صاحبك أيضا بالجواب إلى التضييع.هذا إذا كان الشيء مما لا يتطرق إلى السؤال عنه آفة و أكثر الأسئلة فيها آفات،فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلا فتقول له،هل أنت صائم؟ فإن قال نعم،كان مظهرا لعبادته،فيدخل عليه الرياء،و إن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان السر،و عبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات.و إن قال لا،كان كاذبا.و إن سكت،كان مستحقرا لك،و تأذيت به.و إن احتال لمدافعة الجواب،افتقر إلى جهد،و تعب فيه.
فقد عرضته بالسؤال إما للرياء،أو للكذب،أو للاستحقار،أو للتعب في حيلة الدفع و كذلك سؤالك عن سائر عباداته،و كذلك سؤالك عن المعاصي،و عن كل ما يخفيه و يستحى منه،و سؤالك عما حدّث به غيرك.فتقول له ما ذا تقول؟و فيم أنت؟و كذلك ترى إنسانا في الطريق،فتقول من أين؟فربما يمنعه مانع من ذكره،فإن ذكره تأذى به و استحيي