إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٤ - الخامس الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب
الثالث.أن يكون ممدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة.
فإن قلب المطيع الصالح،و إن كان صافيا،فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق،لأنه ليس بطلب الحق، و ليس محاذيا بمرآته شطر المطلوب،بل ربما يكون مستوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية،أو بتهيئة أسباب المعيشة،و لا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية،و الحقائق الخفية الإلهية فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال،و خفايا عيوب النفس،إن كان متفكرا فيها،أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها.و إذا كان تقييدا لهم بالأعمال و تفصيل الطاعات مانعا عن انكشاف جلية الحق،فما ظنك فيمن صرف الهم إلى الشهوات الدنيوية و لذاتها و علائقها؟فكيف لا يمنع عن الكشف الحقيقي!
الرابع:الحجاب.
فإن المطيع القاهر لشهواته،المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق قد لا ينكشف له ذلك،لكونه محجوبا عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا،على سبيل التقليد و القبول بحسن الظن،فإن ذلك يحول بينه و بين حقيقة الحق،و يمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد.و هذا أيضا حجاب عظيم،به حجب أكثر المتكلمين و المتعصبين للمذاهب،بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السموات و الأرض،لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية،جمدت في نفوسهم،و رسخت في قلوبهم و صارت حجابا بينهم و بين درك الحقائق
الخامس الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب.
فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول،إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه،حتى إذا تذكرها،و رتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء بطرق الاعتبار،فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب،فتنجلى حقيقة المطلوب لقلبه.فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية،لا تقتنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة.بل كل علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين،يأتلفان و يزدوجان على وجه مخصوص،فيحصل من ازدواجهما علم ثالث،على مثال ما يحصل النتاج من ازدواج الفحل و الأنثى.ثم كما أن من أراد أن يستنتج و مكة لم يمكنه ذلك من حمار و بعير و إنسان بل من أصل مخصوص من الخيل الذكر و الأنثى،و ذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان،و بينهما طريق في الازدواج،يحصل من ازدواجهما العلم المستفاد المطلوب