إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٩ - و قال يحيى بن معاذ الرازي
الأصغر إلى الجهاد الأكبر»قيل يا رسول اللّه،و ما الجهاد الأكبر؟قال«جهاد النّفس» و قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«المجاهد من جاهد نفسه في طاعة اللّه عزّ و جلّ»و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«كفّ أذاك عن نفسك و لا تتابع هواها في معصية اللّه تعالى إذا تخاصمك يوم القيامة فيلعن بعضك بعضا إلاّ أن يغفر اللّه تعالى و يستر»
و قال سفيان الثوري
،ما عالجت شيئا أشد علىّ من نفسي،مرة لي،و مرة علىّ.
و كان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه،يا نفس،لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين، و لا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين.كأنى بك بين الجنة و النار تحبسين.يا نفس، ألا تستحين!و قال الحسن:ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك.
و قال يحيى بن معاذ الرازي
، جاهد نفسك بأسياف الرياضة،و الرياضة على أربعة أوجه القوت من الطعام،و الغمض من المنام،و الحاجة من الكلام،و حمل الأذى من جميع الأنام. فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات،و من قلة المنام صفو الإرادات،و من قلة الكلام السلامة من الآفات.و من احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات.و ليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفا،و الصبر على الأذى،و إذا تحركت من النفس إرادة الشهوات و الآثام،و هاجت منها حلاوة فضول الكلام،جردت عليها سيوف قلة الطعام،من غمد التهجد و قلة المنام،و ضربتها بأيدي الخمول و قلة الكلام،حتى تنقطع عن الظلم و الانتقام، فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام،و تصفيها من ظلمة شهواتها،فتنجو من غوائل آفاتها،فتصير عند ذلك نظيفة و نورية،خفيفة روحانية،فتجول في ميدان الخيرات، و تسير في مسالك الطاعات،كالفرس الفاره في الميدان،و كالملك المتنزه في البستان و قال أيضا أعداء الإنسان ثلاثة،دنياه،و شيطانه و نفسه.فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، و من الشيطان بمخالفته،و من النفس بترك الشهوات.و قال بعض الحكماء،من استولت عليه النفس صار أسيرا في جب شهواتها،محصورا في سجن هواها،مقهورا مغلولا زمامه في يدها.