إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٩ - إحداهما أن لا تقدر النفس على ترك بعض الشهوات فتشتهيها
إلى غاية الجوع،حتى يتيسر له الاعتدال.و لا يذكر له أن العارف الكامل يستغنى عن الرياضة.فإن الشيطان يجد متعلقا من قلبه،فيلقى إليه كل ساعة إنك عارف كامل،و ما الذي فاتك من المعرفة و الكمال ؟بل كان من عادة إبراهيم الخواص و أن يخوض مع المريد في كل رياضة كان يأمره بها،كيلا يخطر بباله أن الشيخ لم يأمره بما لم يفعل،فينفره ذلك من رياضته.و القوى إذا اشتغل بالرياضة و إصلاح الغير،لزمه النزول إلى حد الضعفاء.تشبها بهم و تلطفا في سياقتهم إلى السعادة.و هذا ابتلاء عظيم للأنبياء و الأولياء.و إذا كان حد الاعتدال خفيا في حق كل شخص،فالحزم و الاحتياط ينبغي أن لا يترك في كل حال و لذلك أدب عمر رضى اللّه عنه ولده عبد اللّه،إذ دخل عليه فوجده يأكل لحما مأدوما بسمن ،فعلاه بالدّرة و قال،لا أم لك،كل يوما خبزا و لحما،و يوما خبزا و لبنا،و يوما خبزا و سمنا،و يوما خبزا و زيتا،و يوما خبزا و ملحا،و يوما خبزا قفارا.و هذا هو الاعتدال فأما المواظبة على اللحم و الشهوات فإفراط و إسراف.و مهاجرة اللحم بالكلية إقتار.و هذا قوام بين ذلك.و اللّه تعالى أعلم
بيان
آفة الرياء المتطرق إلى من ترك أكل الشهوات و قلل الطعام
اعلم أنه يدخل على تارك الشهوات آفتان عظيمتان،هما أعظم من أكل الشهوات
إحداهما:أن لا تقدر النفس على ترك بعض الشهوات فتشتهيها
،و لكن لا يريد أن يعرف بأنه يشتهيها،فيخفى الشهوة،و يأكل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة.و هذا هو الشرك الخفي -سئل بعض العلماء عن بعض الزهاد،فسكت عنه.فقيل له هل تعلم به بأسا؟ قال يأكل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة.و هذه آفة عظيمة:بل حق العبد إذا ابتلى بالشهوات و حبها أن يظهرها.فإن هذا صدق الحال،و هو يدل عن فوات المجاهدات بالأعمال .فإن إخفاء النقص،و إظهار ضده من الكمال،هو نقصانان متضاعفان.و الكذب مع الإخفاء كذبان.فيكون مستحقا لمقتين،و لا يرضى منه إلا بتوبتين صادقتين و لذلك