إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٦ - الثاني أن يطلب صديقا صدوقا
لم تخف عليه عيوبه.فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج.و لكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم،يرى أحدهم القذى في عين أخيه.و لا يرى الجذع في عين نفسه.
فمن أراد
أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق
الأول:أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس
،مطلع على خفايا الآفات،و يحكمه في نفسه،و يتبع إشارته في مجاهدته.و هذا شأن المريد مع شيخه،و التلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه و شيخه عيوب نفسه و يعرفه طريق علاجه.و هذا قد عز في هذا الزمان وجوده
الثاني:أن يطلب صديقا صدوقا
،بصيرا متدينا،فينصبه رقيبا على نفسه،ليلاحظ أحواله و أفعاله.فما كره من أخلاقه و أفعاله،و عيوبه الباطنة و الظاهرة،ينبهه عليه.فهكذا كان يفعل الأكياس و الأكابر من أئمة الدين.كان عمر رضى اللّه عنه يقول،رحم اللّه امرأ أهدى إلى عيوبي. و كان يسأل سلمان عن عيوبه.فلما قدم عليه،قال له ما الذي بلغك عنى مما تكرهه؟فاستعفى.فألح عليه،فقال بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة، و إن لك حلتين حلة بالنهار و حلة بالليل.قال و هل بلغك غير هذا؟قال لا.فقال أما هذان فقد كفيتهما.و كان يسأل حذيفة و يقول له،أنت صاحب سر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في المنافقين،فهل ترى عليّ شيئا من آثار النفاق؟فهو على جلالة قدره،و علو منصبه، هكذا كانت تهمته لنفسه رضى اللّه عنه.فكل من كان أوفر عقلا،و أعلى منصبا،كان أقل إعجابا،و أعظم اتهاما لنفسه إلا أن هذا أيضا قد عز،فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة،فيخبر بالعيب،أو يترك الحسد،فلا يزيد على قدر الواجب.فلا تخلو في أصدقائك عن حسود، أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا.أو عن مداهن،يخفى عنك بعض عيوبك.و لهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس،فقيل له لم لا تخالط الناس؟فقال و ما ذا أصنع بأقوام يخفون عنى عيوبي.فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم.و قد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا و يعرفنا عيوبنا.و يكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان.فإن الأخلاق السيئة حيات و عقارب لداغة.فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة،و فرحنا به،و اشتغلنا بإزالة العقرب،و إبعادها و قتلها.و إنما