إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠ - فجملة جنود القلب تحصرها ثلاثة أصناف
بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء و غيره، و أن يدفع عنه ما ينافيه من أسباب الهلاك.فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين:باطن و هو الشهوة،و ظاهر و هو اليد و الأعضاء الجالبة للغذاء.فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج إليه،و خلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين:باطن و هو الغضب الذي به يدفع المهلكات،و ينتقم من الأعداء، و ظاهر و هو اليد و الرجل الذي بهما يعمل بمقتضى الغضب.و كل ذلك بأمور خارجة.فالجوارح من البدن كالأسلحة و غيرها.ثم المحتاج إلى الغذاء،ما لم يعرف الغذاء لم تنفعه شهوة للغذاء و ألفه.فافتقر للمعرفة إلى جندين:باطن و هو إدراك السمع و البصر و الشم و اللمس و الذوق،و ظاهر و هو العين و الأذن و الأنف و غيرها.و تفصيل وجه الحاجة إليها و وجه الحكمة فيها يطول،و لا تحويه مجلدات كثيرة،و قد أشرنا إلى طرف يسير منها في كتاب الشكر،فليقتنع به.
فجملة جنود القلب تحصرها ثلاثة أصناف:
صنف باعث و مستحث،إما إلى جلب النافع الموافق كالشهوة،و إما إلى دفع الضار المنافى كالغضب.و قد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة و الثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد، و يعبر عن هذا الثاني بالقدرة،و هي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء،لا سيما العضلات منها و الأوتار.و الثالث هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس، و هي قوة البصر و السمع،و الشم و الذوق و اللمس.و هي مبثوثة في أعضاء معينة،و يعبر عن هذا بالعلم و الإدراك.و مع كل واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة،و هي الأعضاء المركبة من الشحم و اللحم و العصب،و الدم و العظم،التي أعدت آلات لهذه الجنود.فإن قوة البطش إنما هي بالأصابع،و قوة البصر إنما هي بالعين و كذا سائر القوى.و لسنا نتكلم في الجنود الظاهرة،أعنى الأعضاء،فإنّها من عالم الملك و الشهادة. و إنما نتكلم الآن فيما أيدت به من جنود لم تروها و هذا الصنف الثالث،و هو المدرك من هذه الجملة،ينقسم إلى ما قد أسكن المنازل الظاهرة،و هي الحواس الخمس،أعنى السمع و البصر،و الشم و الذوق و اللمس، و إلى ما أسكن منازل باطنة،و هي تجاويف الدماغ، و هي أيضا خمسة.فإن الإنسان بعد رؤية الشيء يغمض عينيه،فيدرك صورته في نفسه و هو الخيال،ثم تبقى تلك الصورة معه بسبب شيء يحفظه