إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٨ - و أولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى
رجليه و قال،يا أستاذ،إنما أردت أن أختبرك،فما أحسن خلقك!فقال إن الذي رأيت منى هو خلق الكلب.إن الكلب إذا دعي أجاب،و إذا زجر انزجر و روي عنه أيضا أنه اجتاز يوما في سكة،فطرحت عليه إجّانة[١]رماد. فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر،ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه،و لم يقل شيئا.فقيل ألا زبرتهم؟ فقال إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب و روي أن علي بن موسى الرضا رحمة اللّه عليه،كان لونه يميل إلى السواد،إذ كانت أمه سوداء.و كان بنيسابور حمام على باب داره.و كان إذا أراد دخول الحمام،فرّغه له الحمامي فدخل ذات يوم،فأغلق الحمامي الباب،و مضى في بعض حوائجه.فتقدم رجل رستاقى[٢] إلى باب الحمام،ففتحه،و دخل،فنزع ثيابه و دخل،فرأى على بن موسى الرضا.فظن أنه بعض خدام الحمام.فقال له قم و احمل إلىّ الماء.فقام على بن موسى،و امتثل جميع ما كان يأمره به.فرجع الحمامي،فرأى ثياب الرستاقي،و سمع كلامه مع على بن موسى الرضا،فخاف و هرب،و خلاهما.فلما خرج على بن موسى،سأل عن الحمامي.فقيل له إنه خاف مما جرى فهرب.قال لا ينبغي له أن يهرب.إنما الذنب لمن وضع ماءه عند أمة سوداء.
و روي أن أبا عبد اللّه الخياط، كان يجلس على دكانه.و كان له حريف مجوسى،يستعمله في الخياطة.فكان إذا خاط له شيئا،حمل إليه دراهم زائفة.فكان أبو عبد اللّه يأخذها منه و لا يخبره بذلك،و لا يردها عليه.فاتفق يوما أن أبا عبد اللّه قام لبعض حاجته،فأتى المجوسي فلم يجده.فدفع إلى تلميذه الأجرة،و استرجع ما قد خاطه.فكان درهما زائفا.فلما نظر إليه التلميذ،عرف أنه زائف،فرده عليه.فلما عاد أبو عبد اللّه،أخبره بذلك.فقال بئس ما علمت.هذا المجوسي يعاملني بهذه المعاملة منذ سنة،و أنا أصبر عليه،و آخذ الدراهم منه،و ألقيها في البئر،لئلا يغربها مسلما و قال يوسف بن أسباط، علامة حسن الخلق عشر خصال:قلة الخلاف،و حسن الإنصاف،و ترك طلب العثرات،و تحسين ما يبدو من السيئات،و التماس المعذرة،و احتمال الأذى،و الرجوع بالملامة على النفس،و التفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، و طلاقة الوجه للصغير و الكبير،و لطف الكلام لمن دونه و لمن فوقه