إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - كتاب رياضة النّفس و تهذيب الأخلاق
>كتاب رياضة النفس و التهذيب الأخلاق و معالجة أمراض القلب< و هو الكتاب الثاني من ربع المهلكات >بسم اللّه الرّحمن الرّحيم< الحمد للّٰه الذي صرّف الأمور بتدبيره،و عدّل تركيب الخلق فأحسن في تصويره، و زيّن صورة الإنسان بحسن تقويمه و تقديره،و حرسه من الزيادة و النقصان في شكله و مقاديره و فوّض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد و تشميره،و استحثه على تهذيبها بتخويفه و تحذيره و سهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه و تيسيره،و امتنّ عليهم بتسهيل صعبه و عسيره،و الصلاة و السلام على محمد عبد اللّه و نبيه و حبيبه و صفيه و بشيره و نذيره،الذي كان يلوح أنوار النبوة من بين أساريره، و يستشرف حقيقة الحق من مخايله و تباشيره و على آله و أصحابه الذين طهّروا وجه الإسلام من ظلمة الكفر و دياجيره،و حسموا مادة الباطل فلم يتدنّسوا بقليله و لا بكثيره، أما بعد:فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين، و أفضل أعمال الصديقين،و هو على التحقيق شطر الدين،و ثمرة مجاهدة المتقين،و رياضة المتعبدين،و الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة،و المهلكات،الدامغة، و المخازي الفاضحة،و الرذائل الواضحة،و الخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين،المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين،و هي الأبواب المفتوحة إلى نار اللّه الموقدة،التي تطلع على الأفئدة،كما أن الأخلاق الجميلة،هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان،و جوار الرحمن، و الأخلاق الخبيثة أمراض القلوب،و أسقام النفوس، إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد،و أين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد و مهما اشتدت عناية الأطباء،بضبط قوانين العلاج للأبدان.و ليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية،فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب،و في مرضها فوت حياة باقية أولى.و هذا النوع من الطب،واجب تعلمه على كل ذي لب،إذ لا يخلو قلب