إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٤ - و قد ذكر للجوع الصادق علامات
لقوله تعالى وَ لاٰ تُسْرِفُوا [١]أعنى في حق الأكثرين.فإن مقدار الحاجة إلى الطعام يختلف بالسن،و الشخص،و العمل الذي يشتغل به و هاهنا طريق خامس لا تقدير فيه،و لكنه موضع غلط.و هو أن يأكل إذا صدق جوعه،و يقبض يده و هو على شهوة صادقة بعد.و لكن الأغلب أن من لم يقدر لنفسه رغيفا أو رغيفين،فلا يتبين له حد الجوع الصادق.و يشتبه عليه ذلك بالشهوة الكاذبة
و قد ذكر للجوع الصادق علامات.
إحداها:أن لا تطلب النفس الأدم،بل تأكل الخبز وحده بشهوة،أي خبز كان.فمهما طلبت نفسه خبزا بعينه،أو طلبت أدما،فليس ذلك بالجوع الصادق و قد قيل من علامته أن يبصق فلا يقع الذباب عليه.أي لم يبق فيه دهنية و لا دسومة فيدل ذلك على خلو المعدة.و معرفة ذلك غامض.فالصواب للمريد أن يقدر مع نفسه القدر الذي لا يضعفه عن العبادة التي هو بصددها.فإذا انتهى إليه وقف و إن بقيت شهوته و على الجملة فتقدير الطعام لا يمكن،لانه يختلف بالأحوال و الأشخاص.نعم قد كان قوت جماعة من الصحابة صاعا من حنطة في كل جمعة،فإذا أكلوا التمر اقتاتوا منه صاعا و نصفا و صاع الحنطة أربعة أمداد فيكون كل يوم قريبا من نصف مد،و هو ما ذكرناه أنه قدر ثلث البطن.و احتيج في التمر إلى زيادة لسقوط النوى منه.و قد كان أبو ذر رضي اللّه عنه يقول:
طعامى في كل جمعة صاع من شعير على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،و اللّه لا أزيد عليه شيئا حتى ألقاه،فإنى سمعته يقول[١]«أقربكم منّى مجلسا يوم القيامة و أحبّكم إلىّ من مات على ما هو عليه اليوم »و كان يقول في إنكاره على بعض الصحابة،قد غيرتم،ينخل لكم الشعير،و لم يكن ينخل.و خبزتم المرقق،و جمعتم بين إدامين،و اختلف عليكم بألوان الطعام،و غدا أحدكم في ثوب و راح في آخر،و لم تكونوا هكذا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم [٢]و كان قوت أهل الصفة مدا من تمر بين اثنين في كل يوم.و المد رطل و ثلث .
[١] الأعراف:٣١