إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٥ - فإذا عرفت هذا،فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل
فيه مطلوب.و هيهات،و لكن من أسرار حكمة الشريعة،أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى،و كان فيه فساد،جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه،على وجه يومئ عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان،و العالم يدرك أن المقصود الوسط،لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع،فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع،حتى يكون الطبع باعثا،و الشرع مانعا،فيتقاومان،و يحصل الاعتدال.فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد،فيعلم أنه لا ينتهى إلى الغاية،فإنه إن أسرف مسرف في مضادّة الطبع،كان في الشرع أيضا ما يدل على إساءته.كما أن الشرع بالغ في الثناء على قيام الليل،و صيام النهار، ثم لما علم النبي صلى اللّه عليه و سلم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر كله،و يقوم الليل كله نهى عنه [١]
فإذا عرفت هذا،فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل
،أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة،و لا يحس بألم الجوع.بل ينسى بطنه،فلا يؤثر فيه الجوع أصلا.فإن مقصود الأكل بقاء الحياة،و قوة العبادة .و ثقل المعدة يمنع من العبادة.و ألم الجوع أيضا يشغل القلب و يمنع منها.فالمقصود أن يأكل أكلا لا يبقى للمأكول فيه أثر،ليكون متشبها بالملائكة،فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام و ألم الجوع،و غاية الإنسان الاقتداء بهم.
و إذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع و الجوع،فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط،و هو الاعتدال.
و مثال طلب الآدمي البعد عن هذه الأطراف المتقابلة،بالرجوع إلى الوسط،مثال نملة ألقيت في وسط حلقة محمية على النار،مطروحة على الأرض.فإن النملة تهرب من حرارة الحلقة،و هي محيطة بها لا تقدر على الخروج منها،فلا تزال تهرب حتى تستقر على المركب الذي هو الوسط.فلو ماتت ماتت على الوسط.لأن الوسط هو أبعد المواضع عن التي في الحلقة المحيطة.فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان إحاطة تلك الحلقة بالنملة،و الملائكة خارجون عن تلك الحلقة،و لا مطمع للإنسان في الخروج،و هو يريد أن يتشبه بالملائكة