إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٢ - قلب عمر بالتقوى،و زكا بالرياضة
[١]«مثل القلب في تقلّبه كالقدر إذا استجمعت غليانا» و قال[٢]«مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرّياح ظهرا لبطن» و هذه التقلبات،و عجائب صنع اللّه تعالى في تقليبها من حيث لا تهتدى إليه المعرفة،لا يعرفها إلا المراقبون و المراعون لأحوالهم مع اللّه تعالى
و القلوب في الثبات على الخير و الشر و التردد بينهما ثلاثة
قلب عمر بالتقوى،و زكا بالرياضة
،و طهر عن خبائث الأخلاق،تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب و مداخل الملكوت،فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له، ليعرف دقائق الخير فيه،و يطلع على أسرار فوائده،فينكشف له بنور البصيرة وجهه، فيحكم بأنه لا بد من فعله،فيستحثه عليه،و يدعوه إلى العمل به.و ينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا في جوهره،طاهرا بتقواه،مستنيرا بضياء العقل،معمورا بأنوار المعرفة، فيراه صالحا لأن يكون له مستقرا و مهبطا، فعند ذلك يمده بجنود لا ترى،و يهديه إلى خيرات أخرى،حتى ينجر الخير إلى الخير،و كذلك على الدوام.و لا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير،و تيسير الأمر عليه.و إليه الإشارة بقوله تعالى فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اتَّقىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ [١]و في مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية،حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي،الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء فلا يخفى على هذا النور خافية،و لا يروج عليه شيء من مكايد الشيطان.بل يقف الشيطان و يوحى زخرف القول غرورا،فلا يلتفت إليه.و هذا القلب بعد طهارته من المهلكات، يصير على القرب معمورا بالمنجيات التي سنذكرها،من الشكر،و الصبر،و الخوف،و الرجاء، و الفقر،و الزهد،و المحبة،و الرضا،و الشوق،و التوكل،و التفكر،و المحاسبة،و غير ذلك.و هو القلب الذي أقبل اللّه عز و جل بوجهه عليه،و هو القلب المطمئن،المراد بقوله تعالى أَلاٰ بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [٢]و بقوله عز و جل يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [٣]
[١] الليل:٥
[٢] الرعد:٢٨
[٣] الفجر:٢٧