إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٧ - الفائدة الخامسة و هي من أكبر الفوائد،كسر شهوات المعاصي كلها
فإن ذلك يدعو إلى الرحمة و الإطعام،و الشفقة على خلق اللّه عز و جل.و الشبعان في غفلة عن ألم الجائع.
الفائدة الخامسة:و هي من أكبر الفوائد،كسر شهوات المعاصي كلها
،و الاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء.فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات و القوى.و مادة القوى و الشهوات لا محالة الأطعمة.فتقليلها يضعف كل شهوة و قوة.و إنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه،و الشقاوة في أن تملكه نفسه.و كما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع،فإذا شبعت قويت و شردت و جمحت،فكذلك النفس.كما قيل لبعضهم،ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك و قد انهد؟فقال لأنه سريع المرح،فاحش الأشر،فأخاف أن يجمح بي فيورطنى ،فلأن أحمله على الشدائد أحب إلى من أن يحملني على الفواحش و قال ذو النون،ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية.و قالت عائشة رضى اللّه عنها،أول بدعة حدثت بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الشبع.إن القوم لما شبعت بطونهم، جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا و هذه ليست فائدة واحدة،بل هي خزائن الفوائد.و لذلك قيل،الجوع خزانة من خزائن اللّه تعالى.و أقل ما يندفع بالجوع شهوة الفرج و شهوة الكلام.فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان،كالغيبة و الفحش،و الكذب و النميمة و غيرها،فيمنعه الجوع من كل ذلك.و إذا شبع،افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس و لا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم و أما شهوة الفرج،فلا تخفى غائلتها.و الجوع يكفي شرها.و إذا شبع الرجل لم يملك فرجه.و إن منعته التقوى فلا يملك عينه.فالعين تزني،كما أن الفرج يزني.فإن ملك عينه بغض الطرف،فلا يملك فكره.فيخطر له من الأفكار الرديئة،و حديث النفس بأسباب الشهوة،و ما يتشوش به مناجاته.و ربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة و إنما ذكرنا آفة اللسان و الفرج مثالا.و إلا فجميع معاصي الأعضاء السبعة سببها القوة الحاصلة بالشبع قال حكيم ،كل مريد صبر على السياسة،فصبر على الخبز البحت سنة، لا يخلط به شيئا من الشهوات،و يأكل في نصف بطنه،رفع اللّه عنه مئونة النساء