إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣١ - و العلوم العقلية تنقسم إلى دنيوية و أخروية
في مواضعها،و إنما أنت لست تهتدى للطريق لعماك،فالعجب منك أنك لا تحيل عثرتك على عماك،و انما تحيلها على تقصير غيرك.
فهذه نسبة العلوم الدينية إلى العلوم العقلية
و العلوم العقلية تنقسم إلى دنيوية و أخروية.
فالدنيوية كعلم الطب،و الحساب و الهندسة و النجوم،و سائر الحرف و الصناعات. و الأخروية كعلم أحوال القلب،و آفات الأعمال و العلم باللّه تعالى و بصفاته و أفعاله،كما فصلناه في كتاب العلم.و هما علمان متنافيان. أعنى أن من صرف عنايته إلى أحدهما حتى تعمق فيه،قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر.
و لذلك ضرب علي رضى اللّه عنه للدنيا و الآخرة ثلاثة أمثلة فقال:هما ككفتي الميزان، و كالمشرق و المغرب،و كالضرتين،إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.و لذلك ترى الأكياس في أمور الدنيا و في علم الطب و الحساب و الهندسة و الفلسفة،جهالا في أمور الآخرة.و الأكياس في دقائق علوم الآخرة،جهالا في أكثر علوم الدنيا.لأن قوة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب،فيكون أحدهما مانعا من الكمال في الثاني.و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ أكثر أهل الجنّة البله»أي البله في أمور الدنيا. و قال الحسن في بعض مواعظه:لقد أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين،و لو أدركوكم لقالوا شياطين.فمهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدين جحده أهل الكياسة في سائر العلوم، فلا يغرنك جحودهم عن قبوله،إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب.فذلك يجرى أمر الدنيا و الآخرة.و لذلك قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنٰا وَ رَضُوا بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ اطْمَأَنُّوا بِهٰا [١]الآية و قال تعالى يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ [٢]و قال عز و جل فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [٣]فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدنيا و الدين،لا يكاد يتيسر إلا لمن رسخه اللّه لتدبير عباده في معاشهم و معادهم،و هم الأتقياء
[١] يونس:٧
[٢] الروم:٧
[٣] النجم:١٩ و ٣٠