إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣ - و مهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل
الدنيا فوجدوها قاسية نفرة،بعيدة التأثر عن ذكر اللّه و اليوم الآخر،و جربوها في حالة الحزن،فوجدوها لينة رقيقة صافية،قابلة لأثر الذكر،فعلموا أن النجاة في الحزن الدائم و التباعد من أسباب الفرح و البطر،ففطموها عن ملاذها،و عودوها الصبر عن شهواتها حلالها و حرامها، و علموا أن حلالها حساب،و حرامها عقاب،و متشابهها عتاب،و هو نوع عذاب،فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب، فخلصوا أنفسهم من عذابها و توصلوا إلى الحرية و الملك الدائم في الدنيا و الآخرة،بالخلاص من أسر الشهوات و رقها و الأنس بذكر اللّه عز و جل،و الاشتغال بطاعته،و فعلوا بها ما يفعل بالبازي إذا قصد تأديبه،و نقله من التوثب و الاستيحاش،إلى الانقياد و التأديب،فإنه يحبس أولا في بيت مظلم،و تخاط عيناه،حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جو الهواء و ينسى ما قد كان ألفه من طبع الاسترسال.ثم يرفق به باللحم،حتى يأنس بصاحبه و يألفه إلفا إذا دعاه أجابه و مهما سمع صوته رجع إليه فكذلك النفس لا تألف ربها و لا تأنس بذكره،إلا إذا فطمت عن عادتها بالخلوة و العزلة أولا،ليحفظ السمع و البصر عن المألوفات، ثم عودت الثناء و الذكر و الدعاء ثانيا في الخلوة،حتى يغلب عليها الأنس بذكر اللّه عز و جل،عوضا عن الأنس بالدنيا و سائر الشهوات.و ذلك يثقل على المريد في البداية،ثم يتنعم به في النهاية،كالصبي يفطم عن الثدي و هو شديد عليه،إذ كان لا يصبر عنه ساعة،فلذلك يشتد بكاؤه و جزعه عند الفطام و يشتد نفوره عن الطعام الذي يقدم إليه بدلا عن اللبن.و لكنه إذا منع اللبن رأسا يوما فيوما،و عظم تعبه في الصبر عليه،و غلبه الجوع،تناول الطعام تكلفا.ثم يصير له طبعا.فلو رد بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه.فيهجر الثدي،و يعاف اللبن،و يألف الطعام.
و كذلك الدابة،في الابتداء تنفر عن السرج و اللجام و الركوب،فتحمل على ذلك قهرا و تمنع عن السرج الذي ألفته بالسلاسل و القيود أولا،ثم تأنس به،بحيث تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد فكذلك تؤدب النفس كما يؤدب الطير و الدواب.و تأديبها بأن تمنع من النظر،و الانس الفرح بنعيم الدنيا.بل بكل ما يزايلها بالموت،إذ قيل له أحبب ما أحببت فإنك مفارقه