إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٢ - الأولى أن لا يأكل إلا حلالا
فذلك خير له من أن يأكله حتى يتضاعف الوزر عليه.[١]و نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى رجل سمين البطن،فأومأ إلى بطنه بإصبعه و قال«لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك»أي لو قدمته لآخرتك،و آثرت به غيرك،و عن الحسن قال:و اللّه لقد أدركت أقواما كان الرجل منهم يمسي و عنده من الطعام ما يكفيه،و لو شاء لأكله،فيقول و اللّه لا أجعل هذا كله لبطنى،حتى أجعل بعضه للّٰه فهذه عشرة فوائد للجوع،يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها،و لا تتناهى فوائدها.فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة.و لأجل هذا قال بعض السلف:الجوع مفتاح الآخرة،و باب الزهد.و الشبع مفتاح الدنيا،و باب الرغبة .بل ذلك صريح في الأخبار التي رويناها.و بالوقوف على تفصيل هذه الفوائد تدرك معانى تلك الأخبار إدراك علم و بصيرة.فإذا لم تعرف هذا و صدقت بفضل الجوع،كانت لك رتبة المقلدين في الإيمان،و اللّه أعلم بالصواب
بيان
طريق الرياضة في كسر شهوة البطن
اعلم أن على المريد في بطنه و مأكوله أربع وظائف:
الأولى:أن لا يأكل إلا حلالا
،فإن العبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحار .
و قد ذكرنا ما تجب مراعاته من درجات الورع في كتاب الحلال و الحرام.و تبقى ثلاث وظائف خاصة بالأكل،و هو تقدير قدر الطعام في القلة و الكثرة،و تقدير وقته في الإبطاء و السرعة،و تعيين الجنس المأكول في تناول المشتهيات و تركها أما الوظيفة الأولى في تقليل الطعام.فسبيل الرياضة فيه التدريج.فمن اعتاد الأكل الكثير،و انتقل دفعة واحدة إلى القليل،لم يحتمله مزاجه و ضعف،و عظمت مشقته.