إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٤ - و من أبوابه سوء الظن بالمسلمين
و المذاهب لا تحصر،و إنما أردنا بما أوردناه المثال
و من أبوابه سوء الظن بالمسلمين
،قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [١]فمن يحكم بشر على غيره بالظن،بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك،أو يقصر في القيام بحقوقه،أو يتوانى في إكرامه،و ينظر إليه بعين الاحتقار،و يرى نفسه خيرا منه.و كل ذلك من المهلكات.و لأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم.فقال صلى اللّه عليه و سلم[١]«اتّقوا مواضع التّهم»حتى احترز هو صلى اللّه عليه و سلم من ذلك.
روى عن علي بن حسين[٢]، أن صفية بنت حيى بن أخطب،أخبرته أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان معتكفا في المسجد،قالت فأتيته فتحدثت عنده،فلما أمسيت انصرفت فقام يمشى معي،فمر به رجلان من الأنصار،فسلما ثم انصرفا.فناداهما و قال«إنّها صفيّة بنت حيّ»فقالا يا رسول اللّه ما نظن بك إلا خيرا.فقال«إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم من الجسد و إِنّى خشيت أن يدخل عليكما»فانظر كيف أشفق صلى اللّه عليه و سلم على دينهما فحرسهما،و كيف أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة حتى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله،فيقول مثلي لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه.فإن أورع الناس و أتقاهم و أعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة بل بعين الرضا بعضهم،و بعين السخط بعضهم.و لذلك قال الشاعر:
و عين الرضا عن كل عيب كليلة
و لكن عين السخط تبدى المساويا
فيجب الاحتراز عن ظن السوء،و عن تهمة الأشرار،فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر.فمهما رأيت إنسانا يسيء الظن بالناس طالبا للعيوب،فاعلم أنه خبيث في الباطن و أن ذلك خبثه يترشح منه،و إنما رأى غيره من حيث هو.فإن المؤمن يطلب المعاذير، و المنافق يطلب العيوب.و المؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق
[١] الحجرات:١٢