إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - و ربما يقول القائل،إن التنعم بالمباح مباح،فكيف يكون التنعم سبب البعد من اللّه
فإذا قد اتفق العلماء و الحكماء،على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة، إلا بنهي النفس عن الهوى،و مخالفة الشهوات.فالإيمان بهذا واجب.و أما علم تفصيل ما يترك من الشهوات و ما لا يترك،لا يدرك إلا بما قدمناه.
و حاصل الرياضة و سرها
،أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر،إلا بقدر الضرورة.فيكون مقتصرا من الأكل،و النكاح،و اللباس،و المسكن،و كل ما هو مضطر إليه،على قدر الحاجة و الضرورة.فإنه لو تمتع بشيء منه،أنس به و ألفه.فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه.و لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا من لا حظ له في الآخرة بحال.و لا خلاص منه إلا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة اللّه و حبه،و التفكر فيه و الانقطاع إليه،و لا قوة على ذلك إلا باللّه.و يقتصر من الدنيا على ما يدفع عوائق الذكر و الفكر فقط.فمن لم يقدر على حقيقة ذلك،فليقرب منه و الناس فيه أربعة رجل مستغرق قلبه بذكر اللّه،فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة فهو من الصديقين.و لا ينتهى إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة،و الصبر عن الشهوات مدة مديدة الثاني:رجل استغرقت الدنيا قلبه، و لم يبق للّٰه تعالى ذكر في قلبه،إلا من حيث حديث النفس،حيث يذكره باللسان لا بالقلب،فهذا من الهالكين و الثالث:رجل اشتغل بالدنيا و الدين،و لكن الغالب على قلبه هو الدين،فهذا لا بد له من ورود النار،إلا أنه ينجو منها سريعا،بقدر غلبة ذكر اللّه تعالى على قلبه و الرابع:رجل اشتغل بهما جميعا،لكن الدنيا أغلب على قلبه،فهذا يطول مقامه في النار لكن يخرج منها لا محالة،لقوة ذكر اللّه تعالى في قلبه،و تمكنه من صميم فؤاده،و إن كان ذكر الدنيا أغلب على قلبه.اللهم إنا نعوذ بك من خزيك،فإنك أنت المعاذ
و ربما يقول القائل،إن التنعم بالمباح مباح،فكيف يكون التنعم سبب البعد من اللّه
عز و جل؟و هذا خيال ضعيف.بل حب الدنيا رأس كل خطيئة، و سبب إحباط كل حسنة و المباح الخارج عن قدر الحاجة أيضا من الدنيا،و هو سبب البعد و سيأتي ذلك في كتاب ذم الدنيا