إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧ - الطريق الرابع أن يخالط الناس
نكايتها على البدن.و يدوم ألمها يوما فما دونه.و نكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب،أخشى أن تدوم بعد الموت أبدا،أو آلافا من السنين،ثم أنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها،و لا نشتغل بإزالتها،بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته،فنقول له و أنت أيضا تصنع كيت و كيت و تشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه.و يشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب،التي أثمرتها كثرة الذنوب.و أصل كل ذلك ضعف الإيمان.فنسأل اللّه عز و جل،أن يلهمنا رشدنا،و يبصرنا بعيوبنا،و يشغلنا بمداواتها،و يوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوينا بمنه و فضله
الطريق الثالث:أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه.
فإن عين السخط تبدى المساوي. و لعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن،يذكره عيوبه.أكثر من انتفاعه بصديق مداهن،يثنى عليه و يمدحه،و يخفى عنه عيوبه.إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو،و حمل ما يقوله على الحسد.و لكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه،فإن مساويه لا بد و أن تنتشر على ألسنتهم
الطريق الرابع:أن يخالط الناس.
فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق،فليطالب نفسه به،و ينسبها إليه.فإن المؤمن مرآة المؤمن. فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه.
و يعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى.فما يتصف به واحد من الأقران،لا ينفك القرن الآخر عن أصله،أو عن أعظم منه،أو عن شيء منه.فليتفقد نفسه،و يطهرها من كل ما يذمه من غيره.و ناهيك بهذا تأديبا.فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم،لاستغنوا عن المؤدب.قيل لعيسى عليه السلام،من أدبك؟قال ما أدبنى أحد.رأيت جهل الجاهل شينا فاجتنبته.
و هذا كله حيل من فقد شيخا عارفا زكيا،بصيرا بعيوب النفس،مشفقا ناصحا في الدين فارغا من تهذيب نفسه،مشتغلا بتهذيب عباد اللّه تعالى،ناصحا لهم.فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب،فليلازمه فهو الذي يخلصه من مرضه،و ينجيه من الهلاك الذي هو بصدده