إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣ - أما العلم
أكلت اللحم،و شربت اللبن،و لم تأو الضالة،و لم تجبر الكسير،اليوم أنتقم منك،كما ورد في الخبر.و إلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»
المثال الثالث:
مثل العقل مثال فارس متصيد،و شهوته كفرسه،و غضبه ككلبه،فمتى كان الفارس حاذقا، و فرسه مروضا،و كلبه مؤدبا معلما،كان جديرا بالنجاح.و متى كان هو في نفسه أخرق،و كان الفرس جموحا،و الكلب عقورا،فلا فرسه ينبعث تحته منقادا و لا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا،فهو خليق بأن يعطب،فضلا عن أن ينال ما طلب.
و إنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان،و قلة حكمته،و كلال بصيرته و جماح الفرس مثل غلبة الشهوة،خصوصا شهوة البطن و الفرج.و عقر الكلب مثل غلبة الغضب و استيلائه نسأل اللّه حسن التوفيق بلطفه
بيان
خاصية قلب الإنسان
اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم اللّه به على سائر الحيوانات سوى الآدمي.إذ للحيوان الشهوة و الغضب و الحواس الظاهرة و الباطنة أيضا،حتى أن الشاة ترى الذئب بعينها، فتعلم عداوته بقلبها،فتهرب منه.فذلك هو الإدراك الباطن فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان؛و لأجله عظم شرفه،و استأهل القرب من اللّه تعالى.و هو راجع إلى علم و إرادة
أما العلم
،فهو العلم بالأمور الدنيوية و الأخروية، و الحقائق العقلية،فإن هذه أمور وراء المحسوسات،و لا يشاركه فيها الحيوانات.بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة.و هذا حكم منه على كل شخص.و معلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص،فحكمه على جميع الأشخاص زائد على ما أدركه الحس.و إذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر