إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - بيان
و تضبطهما في الاسترسال و الانقباض على حسب مقتضاها.و نعني بالشجاعة:كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها و إحجامها.و نعني بالعفة:تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل و الشرع.
فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها.إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير، و جودة الذهن،و ثقابة الرأي، و إصابة الظن،و التفطن لدقائق الأعمال،و خفايا آفات النفوس.و من إفراطها تصدر الجربزة.و المكر،و الخداع،و الدهاء و من تفريطها يصدر البله،و الغمارة،و الحمق،و الجنون،و أعنى بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل.فقد يكون الإنسان غمرا في شيء دون شيء.و الفرق بين الحمق و الجنون أن الأحمق مقصوده صحيح،و لكن سلوكه الطريق فاسد،فلا تكون له روية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرض.و أما المجنون فإنه يختار ما لا ينبغي أن يختار،فيكون أصل اختياره و إيثاره فاسدا و أما خلق الشجاعة،فيصدر منه الكرم و النجدة، و الشهامة،و كسر النفس.
و الاحتمال،و الحلم،و الثبات،و كظم الغيظ،و الوقار،و التودد.و أمثالها.و هي أخلاق محمودة.و أما إفراطها و هو التهور،فيصدر منه الصلف،و البذخ، و الاستشاطة،و التكبر و العجب.و أما تفريطها،فيصدر منه المهانة،و الذلة،و الجزع.و الخساسة.و صغر النفس و الانقباض عن تناول الحق الواجب و أما خلق العفة، فيصدر منه السخاء،و الحياء،و الصبر،و المسامحة،و القناعة،و الورع و اللطافة،و المساعدة،و الظرف،و قلة الطمع،و أما ما يحملها إلى الإفراط أو التفريط فيحصل منه الحرص،و الشره،و الوقاحة،و الخبث،و التبذير،و التقصير،و الرياء،و الهتكة،و المجانة و العبث،و الملق،و الحسد،و الشماتة،و التذلل للأغنياء،و استحقار الفقراء،و غير ذلك فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة، و هي الحكمة،و الشجاعة،و العفة و العدل.و الباقي فروعها.و لم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.و الناس بعده متفاوتون في القرب و البعد منه فشكل.قرب عنه في هذه الأخلاق فهو قريب من اللّه تعالى،بقدر قربه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم