إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٣ - و من أبوابه حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم
و قال الحسن: بلغنا أن إبليس قال:سوّلت لأمة محمد صلى اللّه عليه و سلم المعاصي،فقصموا ظهري بالاستغفار.فسوّلت لهم ذنوبا لا يستغفرون اللّه تعالى منها،و هي الأهواء.و قد صدق الملعون،فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي، فكيف يستغفرون منها و من عظيم حيل الشيطان،أن يشغل الإنسان عن نفسه،بالاختلافات الواقعة بين الناس في المذاهب و الخصومات.قال عبد اللّه بن مسعود:جلس قوم يذكرون اللّه تعالى،فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم،و يفرق بينهم،فلم يستطع.فأتى رفقة أخرى يتحدثون بحديث الدنيا،فأفسد بينهم،فقاموا يقتتلون،و ليس إياهم يريد،فقام الذين يذكرون اللّه تعالى،فاشتغلوا بهم،يفصلون بينهم،فتفرقوا عن مجلسهم،و ذلك مراد الشيطان منهم
و من أبوابه حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم
و لم يتجروا فيه،على التفكر في ذات اللّه تعالى و صفاته،و في أمور لا يبلغها حد عقولهم،حتى يشككهم في أصل الدين،أو يخيل إليهم في اللّه تعالى خيالات يتعالى اللّه عنها،يصير بها كافرا أو مبتدعا،و هو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره،يظن ذلك هو المعرفة و البصيرة،و أنه انكشف له ذلك بذكائه و زيادة عقله.فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقادا في عقل نفسه،و أثبت الناس عقلا أشدهم اتهاما لنفسه،و أكثرهم سؤالا من العلماء.قالت عائشة رضى اللّه عنها قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ الشّيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك؟فيقول اللّه تبارك و تعالى فيقول فمن خلق اللّه؟فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت باللّه و رسوله فإنّ ذلك يذهب عنه» و النبي صلى اللّه عليه و سلم لم يأمر بالبحث في علاج هذا الوسواس، فإن هذا وسواس يجده عوام الناس دون العلماء.و إنما حق العوام أن يؤمنوا و يسلموا،و يشتغلوا بعبادتهم و معايشهم،و يتركوا العلم للعلماء.فالعامى لو يزني و يسرق كان خيرا له من أن يتكلم في العلم.فإنه من تكلم في اللّه و في دينه من غير إتقان العلم،وقع في الكفر من حيث لا يدرى.كمن يركب لجة البحر و هو لا يعرف السباحة.و مكايد الشيطان فيما يتعلق بالعقائد