إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٦ - و الثانية إيمان المتكلمين
[١]«لم يسعني أرضى و لا سمائى و وسعني قلب عبدي المؤمن اللّيّن الوداع» و في الخبر أنه [٢]قيل يا رسول اللّه،من خير الناس؟فقال«كلّ مؤمن مخموم القلب»فقيل و ما مخموم القلب؟ فقال«هو التّقىّ النّقىّ الّذي لا غشّ فيه و لا بغي و لا غدر و لا غلّ و لا حسد» و لذلك قال عمر رضى اللّه عنه:رأى قلبي ربي.إذ كان قد رفع الحجاب بالتقوى،و من ارتفع الحجاب بينه و بين اللّه تجلى صورة الملك و الملكوت في قلبه،فيرى جنة عرض بعضها السموات و الأرض،أما جملتها فأكثر سعة من السموات و الأرض،لأن السموات و الأرض عبارة عن عالم الملك و الشهادة،و هو و إن كان واسع الأطراف،متباعد الأكناف،فهو متناه على الجملة،و أما عالم الملكوت،و هي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار،المخصوصة بإدراك البصائر،فلا نهاية له.نعم الذي يلوح للقلب منه مقدار متناه،و لكنه في نفسه و بالإضافة إلى علم اللّه،لا نهاية له.و جملة عالم الملك و الملكوت إذا أخذت دفعة واحدة،تسمى الحضرة الربوبية، لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات،إذ ليس في الوجود شيء سوى اللّه تعالى و أفعاله،و مملكته و عبيده من أفعاله.فما يتجلى من ذلك للقلب هي الجنة بعينها عند قوم، و هو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق،و يكون سعة ملكه في الجنة بحسب سعة معرفته،و بمقدار ما تجلى له من اللّه و صفاته و أفعاله و إنما مراد الطاعات و أعمال الجوارح كلها تصفية القلب و تزكيته و جلاؤه،قد أفلح من زكاها،و مراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه،أعنى اشراق نور المعرفة،و هو المراد بقوله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ [١]و بقوله أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٢]
نعم هذا التجلي و هذا الإيمان له ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى:إيمان العوام
،و هو إيمان التقليد المحض
و الثانية:إيمان المتكلمين
،و هو ممزوج بنوع استدلال، و درجته قريبة من درجة إيمان العوام
[١] الأنعام:١٢٥
[٢] الزمر:٢٢