إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨ - بيان
بيان
مجامع أوصاف القلب و أمثلته
اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته و تركيبه أربع شوائب،فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف،و هي الصفات السبعية،و البهيمية،و الشيطانية،و الربانية فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع،من العداوة و البغضاء،و التهجم على الناس بالضرب و الشتم.و من حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم،من الشره و الحرص و الشبق و غيره.و من حيث إنه في نفسه أمر ربانى،كما قال اللّه تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١]فإنه يدعى لنفسه الربوبية،و يحب الاستيلاء و الاستعلاء،و التخصص و الاستبداد بالأمور كلها،و التفرد بالرياسة،و الانسلال عن ربقة العبودية و التواضع، و يشتهي الاطلاع على العلوم كلها،بل يدعى لنفسه العلم و المعرفة و الإحاطة بحقائق الأمور،و يفرح إذا نسب إلى العلم،و يحزن إذا نسب إلى الجهل.و الإحاطة بجميع الحقائق،و الاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية.و في الإنسان حرص على ذلك.و من حيث يختص من البهائم بالتمييز،مع مشاركته لها في الغضب و الشهوة،حصلت فيه شيطانية،فصار شريرا،يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر،و يتوصل إلى الأغراض بالمكر و الحيلة و الخداع،و يظهر الشر في معرض الخير،و هذه أخلاق الشياطين.و كل إنسان فيه شوب من هذه الأصول الأربعة،أعنى الربانية و الشيطانية و السبعية و البهيمية.و كل ذلك مجموع في القلب،فكأن المجموع في إهاب الإنسان خنزير و كلب و شيطان و حكيم.فالخنزير هو الشهوة،فإنه لم يكن الخنزير مذموما للونه و شكله و صورته،بل لجشعه و كلبه و حرصه.
و الكلب هو الغضب،فإن السبع الضاري و الكلب العقور ليس كلبا و سبعا باعتبار الصورة و اللون و الشكل،بل روح معنى السبعية الضراوة و العدوان و العقر،و في باطن الإنسان ضراوة السبع و غضبه،و حرص الخنزير و شبقه.فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء و المنكر و السبع يدعو بالغضب إلى الظلم و الإيذاء،و الشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير و غيظ السبع
[١] الاسراء:٨٥