إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧ - و أما الإرادة
مجرى خازنه،و يجرى اللسان مجرى ترجمانه،و يجرى الأعضاء المتحركة مجرى كتابه،و يجرى الحواس الخمس مجرى جواسيسه،فيوكل كل واحد منها بأخبار صقع من الأصقاع،فيوكل العين بعالم الألوان،و السمع بعالم الأصوات،و الشم بعالم الروائح،و كذلك سائرها،فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه العوالم،و يؤدونها إلى القوة الخيالية التي هي كصاحب البريد و يسلمها صاحب البريد إلى الخازن و هي الحافظة،و يعرضها الخازن على الملك،فيقتبس الملك منها ما يحتاج إليه في تدبير مملكته،و إتمام سفره الذي هو بصدده،و قمع عدوه الذي هو مبتلى به، و دفع قواطع الطريق عليه.فإذا فعل ذلك كان موفقا سعيدا،شاكرا نعمة اللّه.
و إذا عطل هذه الجملة.أو استعملها لكن في مراعاة أعدائه،و هي الشهوة و الغضب و سائر الحظوظ العاجلة،أو في عمارة طريقه دون منزله،إذ الدنيا طريقه التي عليها عبوره،و وطنه و مستقره الآخرة،كان مخذولا شقيا،كافرا بنعمة اللّه تعالى،مضيعا لجنود اللّه تعالى،ناصرا لأعداء اللّه،مخذلا لحزب اللّه،فيستحق المقت،و الإبعاد في المنقلب و المعاد،نعوذ باللّه من ذلك و إلى المثال الذي ضربناه أشار كعب الأحبار حيث قال:دخلت على عائشة رضى اللّه عنها فقلت[١]الإنسان عيناه هاد،و أذناه قمع،و لسانه ترجمان،يداه جناحان،و رجلاه بريد و القلب منه ملك،فإذا طاب الملك طابت جنوده.فقالت هكذا سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول. و قال علي رضى اللّه عنه في تمثيل القلوب:إن للّٰه تعالى في أرضه آنية و هي القلوب،فأحبها إليه تعالى أرقها و أصفاها و أصلبها. ثم فسّره فقال:أصلبها في الدين،و أصفاها في اليقين،و أرقها على الإخوان و هو إشارة إلى قوله تعالى أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ [١]و قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ [٢]قال أبي بن كعب رضى اللّه عنه:معناه مثل نور المؤمن و قلبه.و قوله تعالى أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [٣]مثل قلب المنافق.و قال زيد بن أسلم في قوله تعالى فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [٤]و هو قلب المؤمن.و قال سهل:مثل القلب و الصدر مثل العرش و الكرسي.فهذه أمثلة القلب
[١] الفتح:٢٩
[٢] النور:٣٥
[٣] النور:٤٠
[٤] البروج:٢١