إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٤ - القلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى
فينسى فيه المروءة و التقوى.فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب،حتى يظلم و تنطفئ منه أنواره،فينطفئ نور الحياء و المروءة و الإيمان،و يسعى في تحصيل مراد الشيطان
القلب الثالث:قلب تبدو فيه خواطر الهوى
فتدعوه إلى الشر،فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر،فتقوى الشهوة و تحسّن التمتع و التنعم،فينبعث العقل إلى خاطر الخير،و يدفع في وجه الشهوة،و يقبح فعلها، و ينسبها إلى الجهل،و يشبهها بالبهيمة و السبع في تهجمها على الشر،و قلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل.فيحمل الشيطان حملة على العقل،فيقوى داعي الهوى،و يقول ما هذا التحرج البارد؟و لم تمتنع عن هواك فتؤذى نفسك؟و هل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه،أو يترك غرضه؟أ فنترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها؟و تحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا،يضحك عليك أهل الزمان؟أ فتريد أن يزيد منصبك على فلان و فلان؟و قد فعلوا مثل ما اشتهيت،و لم يمتنعوا؟أما ترى العالم الفلانى ليس يحترز من مثل ذلك؟و لو كان ذلك شرا لامتنع منه؟ فتميل النفس إلى الشيطان،و تنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان،و يقول:هل هلك إلا من اتبع لذة الحال،و نسى العاقبة؟ أ فتقنع بلذة يسيرة؟و تترك لذة الجنة و نعيمها أبد الآباد؟أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك؟ و لا تستثقل ألم النار؟أ تغتر بغفلة الناس عن أنفسهم؟و اتباعهم هواهم؟و مساعدتهم الشيطان؟ مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك.أ رأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر و وقف الناس كلهم في الشمس،و كان لك بيت بارد،أ كنت تساعد الناس؟أو تطلب لنفسك الخلاص؟فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس،و لا تخالفهم خوفا من حر النار؟فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك.فلا يزال يتردد بين الجندين،متجاذبا بين الحزبين.إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها،غلب الشيطان،و مال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان،معرضا عن حزب اللّه تعالى و أوليائه و مساعدا لحزب الشيطان و أعدائه،و جرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده