إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٤ - اعلم أن المريد في ابتداء أمره،ينبغي أن لا يشغل نفسه بالتزويج
أن تكون معتدلة.و مطيعة للعقل و الشرع في انقباضها و انبساطها.و مهما أفرطت،فكسرها بالجوع و النكاح.قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«معاشر الشّباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصّوم فالصّوم له و جاء »
بيان
ما على المريد في ترك التزويج و فعله
اعلم أن المريد في ابتداء أمره،ينبغي أن لا يشغل نفسه بالتزويج.
فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك،و يستجره إلى الأنس بالزوجة.و من أنس بغير اللّه تعالى شغل عن اللّه.و لا يغرنه كثرة نكاح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،[٢]فإنه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا عن اللّه تعالى ،فلا تقاس الملائكة بالحدادين.و لذلك قال أبو سليمان الداراني من تزوج فقد ركن إلى الدنيا،و قال،ما رأيت مريدا تزوج فثبت على حاله الأول،و قيل له مرة،ما أحوجك إلى امرأة تأنس بها،فقال لا آنسني اللّه بها،أي أن الأنس بها يمنع الأنس باللّه تعالى،و قال أيضا،كل ما شغلك عن اللّه من أهل،و مال،و ولد،فهو عليك مشئوم فكيف يقاس غير رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم به،و قد كان استغراقه بحب اللّه تعالى،بحيث كان يجد احتراقه فيه إلى حد كان يخشى منه في بعض الأحوال أن يسرى ذلك إلى قالبه فيهدمه ،فلذلك[٣]كان يضرب بيده على فخذ عائشة أحيانا و يقول«كلّمينى يا عائشة»لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه،لقصور طاقة قالبه عنه،فقد كان طبعه الأنس باللّه عز و جل، و كان أنسه بالخلق عارضا،رفقا ببدنه،ثم أنه كان لا يطيق الصبر مع الخلق إذا جالسهم.فإذا ضاق صدره قال[٤]«أرحنا بها يا بلال»حتى يعود إلى ما هو قرة عينه[٥]فالضعيف إذا لاحظ أحواله في مثل هذه الأمور فهو مغرور،لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله صلى اللّه عليه و سلم