إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٨ - الوظيفة الثالثة في نوع الطعام،و ترك الأدام
و قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«شرار أمّتى الّذين غذّوا بالنّعيم و نبتت عليه أجسامهم و إنّما همّتهم ألوان الطّعام و أنواع اللّباس و يتشدّقون في الكلام »و أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام،اذكر أنك ساكن القبر،فإن ذلك يمنعك من كثير الشهوات و قد اشتد خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة،و تمرين النفس عليها،و رأوا أن ذلك علامة الشقاوة،و رأوا منع اللّه تعالى منه غاية السعادة ،حتى روي أن وهب بن منبه قال التقى ملكان في السماء الرابعة،فقال أحدهما للآخر،من أين؟قال أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه اللّه.و قال الآخر،أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد .فهذا تنبيه على أن تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير.و لهذا امتنع عمر رضي اللّه عنه عن شربة ماء بارد بعسل،و قال،اعزلوا عنى حسابها .فلا عبادة للّٰه تعالى أعظم من مخالفة النفس في الشهوات و ترك اللذات،كما أوردناه في كتاب رياضة النفس.
[٢]و قد روى نافع،أن ابن عمر رضي اللّه عنهما كان مريضا،فاشتهى سمكة طرية،فالتمست له بالمدينة فلم توجد.ثم وجدت بعد كذا و كذا،فاشتريت له بدرهم و نصف،فشويت و حملت إليه على رغيف،فقام سائل على الباب،فقال للغلام لفها برغيفها و ادفعها إليه.فقال له الغلام،أصلحك اللّه،قد اشتهيتها منذ كذا و كذا فلم نجدها،فلما وجدتها اشتريتها بدرهم و نصف،فنحن نعطيه ثمنها فقال لفها و ادفعها إليه.ثم قال الغلام للسائل،هل لك أن تأخذ درهما و تتركها؟قال نعم.فأعطاه درهما،و أخذها و أتى بها،فوضعها بين يديه و قال،قد أعطيته درهما و أخذتها منه.فقال لفها و ادفعها إليه،و لا تأخذ منه الدرهم،فإنى سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول«أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته و آثر بها على نفسه غفر اللّه له »