إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧١ - الوظيفة الثالثة في نوع الطعام،و ترك الأدام
و لا ممنوعة.فلما اشتراها و أتى بها إليه،قال لنفسه قد خدعتينى حتى نظرت و اشتهيت، و غلبتينى حتى اشتريت.و اللّه لا ذقتيه.فبعث بها إلى يتامى من الفقراء و عن موسى الأشج أنه قال،نفسى تشتهي ملحا جريشا منذ عشرين سنة.و عن أحمد ابن خليفة قال،نفسى تشتهي منذ عشرين سنة،ما طلبت منى إلا الماء حتى تروى،فما أرويتها.و روى أن عتبة الغلام اشتهى لحما سبع سنين.فلما كان بعد ذلك قال،استحييت من نفسي أن أدافعها منذ سبع سنين سنة بعد سنة،فاشتريت قطعة لحم على خبز،و شويتها و تركتها على رغيف.فلقيت صبيا،فقلت أ لست أنت ابن فلان و قد مات أبوك؟قال بلى فناولته إياها.قالوا و أقبل يبكى و يقرأ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً [١]ثم لم يذقه بعد ذلك.و مكث يشتهي تمرا سنين،فلما كان ذات يوم اشترى تمرا بقيراط و رفعه إلى الليل ليفطر عليه.قال فهبت ريح شديدة،حتى أظلمت الدنيا.ففزع الناس.
فأقبل عتبة على نفسه يقول،هذا لجراءتى عليك و شرائى التمر بالقيراط.ثم قال لنفسه، ما أظن أخذ الناس إلا بذنبك،علىّ أن لا تذوقيه و اشترى داود الطائي بنصف فلس بقلا،و بفلس خلا.و أقبل ليلته كلها يقول لنفسه ويلك يا داود،ما أطول حسابك يوم القيامة.ثم لم يأكل بعده إلا قفارا .و قال عتبة الغلام يوما لعبد الواحد بن زيد إن فلانا يصف من نفسه منزلة ما أعرفها من نفسي.فقال لأنك تأكل مع خبزك تمرا،و هو لا يزيد على الخبز شيئا.قال فإن أنا تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة؟قال نعم و غيرها.فأخذ يبكى.فقال له بعض أصحابه لا أبكى اللّه عينك،أعلى التمر تبكي؟فقال عبد الواحد دعه،فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه في الترك،و هو إذا ترك شيئا لم يعاوده.و قال جعفر بن نصر،أمرني الجنيد أن أشترى له التين الوزيري، فلما اشتريته،أخذ واحدة عند الفطور فوضعها في فمه،ثم ألقاها و جعل يبكى ثم قال،احمله فقلت له في ذلك.فقال هتف بي هاتف أما تستحي،تركته من أجلى ثم تعود إليه و قال صالح المري،قلت لعطاء السلمي ،إنى متكلف لك شيئا،فلا ترد علىّ كرامتي.
فقال افعل ما تريد.قال فبعثت إليه مع ابني شربة من سويق،قد لتته بسمن و عسل.
[١] الدهر:٨