إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥١ - و أكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين و تملكتها
من جوانبه،و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم فضيّقوا مجاريه بالجوع»و ذلك لأن الجوع يكسر الشهوة،و مجرى الشيطان الشهوات.
و لأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال اللّه تعالى،إخبارا عن إبليس لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ [١]و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّ الشّيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال أ تسلم و تترك دينك و دين آبائك!فعصاه و أسلم ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال أ تهاجر أ تدع أرضك و سماءك!فعصاه و هاجر ثمّ قعد له بطريق الجهاد فقال أ تجاهد و هو تلف النّفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك و يقسم مالك!فعصاه و جاهد»و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم«فمن فعل ذلك فمات كان حقّا على اللّه أن يدخله الجنّة» فذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معنى الوسوسة،و هي هذه الخواطر التي تخطر للمجاهد أنه يقتل و تنكح نساؤه،و غير ذلك مما يصرفه عن الجهاد.و هذه الخواطر معلومة،فإذا الوسواس معلوم بالمشاهدة،و كل خاطر فله سبب،و يفتقر إلى اسم يعرفه،فاسم سببه الشيطان،و لا يتصور أن ينفك عنه آدمى،و إنما يختلفون بعصيانه و متابعته.و لذلك قال عليه السلام[٣]«ما من أحد إلاّ و له شيطان»فقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة و الإلهام،و الملك و الشيطان،و التوفيق و الخذلان.
فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان،أنه جسم لطيف،أو ليس بجسم و إن كان جسما فكيف يدخل بدن الإنسان ما هو جسم.فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة، بل مثال الباحث عن هذا مثال من دخلت في ثيابه حية،و هو محتاج إلى إزالتها و دفع ضررها فاشتغل بالبحث عن لونها و شكلها،و طولها و عرضها،و ذلك عين الجهل.فمصادمة الخواطر
[١] الأعراف:١٦ و ١٧