إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٢ - و أما الآثار
و كان كهمس يقول،الهى أجعتنى و أعريتنى،و في ظلم الليالي بلا مصباح أجلستنى،فبأي وسيلة بلغتني ما بلغتني!و كان فتح الموصلي إذا اشتد مرضه و جوعه يقول،إلهى ابتليتني بالمرض و الجوع،و كذلك تفعل بأوليائك،فبأي عمل أؤدّى شكر ما أنعمت به عليّ؟و قال مالك ابن دينار،قلت لمحمد بن واسع،يا أبا عبد اللّه،طوبى لمن كانت له غليلة تقوته و تغنيه عن الناس.فقال لي،يا أبا يحيى،طوبى لمن أمسى و أصبح جائعا و هو عن اللّه راض و كان الفضيل بن عياض يقول،إلهى أجعتنى و أجعت عيالى،و تركتني في ظلم الليالي بلا مصباح،و إنما تفعل ذلك بأوليائك،فبأي منزلة نلت هذا منك؟و قال يحيى بن معاذ جوع الراغبين منبهة،و جوع التائبين تجربة،و جوع المجتهدين كرامة،و جوع الصابرين سياسة،و جوع الزاهدين حكمة و في التوراة،اتق اللّه،و إذا شبعت فاذكر الجياع.و قال أبو سليمان،لأن أترك لقمة من عشائي،أحب إلي من قيام ليلة إلى الصبح .و قال أيضا،الجوع عند اللّه في خزائنه، لا يعطيه إلا من أحبه و كان سهل بن عبد اللّه التستري يطوى نيفا و عشرين يوما لا يأكل.و كان يكفيه لطعامه في السنة درهم.و كان يعظم الجوع و يبالغ فيه،حتى قال لا يوافي القيامة عمل بر أفضل من ترك فضول الطعام،اقتداء بالنبي صلى اللّه عليه و سلم في أكله.و قال لم ير الأكياس شيئا أنفع من الجوع للدين و الدنيا.و قال لا أعلم شيئا أضر على طلاب الآخرة من الأكل.و قال وضعت الحكمة و العلم في الجوع و وضعت المعصية و الجهل في الشبع.
و قال ما عبد اللّه بشيء أفضل من مخالفة الهوى في ترك الحلال.و قد جاء في الحديث [١]ثلث للطعام ،فمن زاد عليه فإنما يأكل من حسناته.و سئل عن الزيادة فقال،لا يجد الزيادة حتى يكون الترك أحب إليه من الأكل،و يكون إذا جاع ليلة سأل اللّه أن يجعلها ليلتين،فإذا كان ذلك وجد الزيادة.و قال:ما صار الأبدال أبدالا إلا بإخماص البطون و السهر و الصمت و الخلوة .و قال:رأس كل بر نزل من السماء إلى الأرض الجوع.و رأس كل فجور بينهما الشبع.و قال:من جوع نفسه انقطعت عنه الوساوس.و قال:إقبال اللّه عز و جل