إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - و أكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين و تملكتها
أحسسته فتعوّذ باللّه منه و اتفل على يسارك ثلاثا»قال ففعلت ذلك فأذهبه اللّه عنى.
و في الخبر[١]«إنّ للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا باللّه منه»و لا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به لأنه إذا خطر في القلب ذكر شيء، انعدم منه ما كان فيه من قبل،و لكن كل شيء سوى اللّه تعالى،و سوى ما يتعلق به،فيجوز أيضا أن يكون مجالا للشيطان.و ذكر اللّه هو الذي يؤمن جانبه،و يعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال.و لا يعالج الشيء إلا بضده. و ضد جميع وساوس الشيطان ذكر اللّه بالاستعاذة، و التبري عن الحول و القوة،و هو معنى قولك أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم،و لا حول و لا قوة الا باللّه العلى العظيم.و ذلك لا يقدر عليه إلا المتقون،الغالب عليهم ذكر اللّه تعالى،و أنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة.و قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذٰا مَسَّهُمْ طٰائِفٌ مِنَ الشَّيْطٰانِ تَذَكَّرُوا فَإِذٰا هُمْ مُبْصِرُونَ [١]و قال مجاهد في معنى قول اللّه تعالى مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ الْخَنّٰاسِ [٢]قال هو منبسط على القلب،فإذا ذكر اللّه تعالى خنس و انقبض،و إذا غفل انبسط على قلبه.فالتطارد بين ذكر اللّه تعالى و وسوسة الشيطان،كالتطارد بين النور و الظلام، و بين الليل و النهار.و لتضادهما قال اللّه تعالى اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطٰانُ فَأَنْسٰاهُمْ ذِكْرَ اللّٰهِ [٣]و قال أنس قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم [٢]«إنّ الشّيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فإن هو ذكر اللّه تعالى خنس و إن نسى اللّه تعالى التقم قلبه»و قال ابن وضاح[٣]في حديث ذكره،إذا بلغ الرجل أربعين سنة و لم يتب،مسح الشيطان وجهه بيده،و قال بأبي وجه من لا يفلح. و كما أن الشهوات ممتزجة بلحم ابن آدم و دمه،فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه و دمه،و محيطة بالقلب
[١] الأعراف:٢٠١
[٢] الناس:٤
[٣] المجادلة:١٩