إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٠ - المثال الثاني يعرفك الفرق بين العملين
ذرّة من إيمان و نصف مثقال و ربع مثقال و شعيرة و ذرّة»كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان،و إن هذه المقادير من الإيمان لا تمنع دخول النار. و في مفهومه أن من إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار،إذ لو دخل لأمر بإخراجه أولا و أن من في قلبه ذرة لا يستحق الخلود في النار و إن دخلها.و كذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«ليس شيء خيرا من ألف مثله إلاّ الإنسان المؤمن» إشارة إلى تفضيل قلب العارف باللّه تعالى الموقن.فإنه خير من ألف قلب من العوام و قد قال تعالى وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [١]تفضيلا للمؤمنين على المسلمين و المراد به المؤمن العارف دون المقلد.و قال عز و جل يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ [٢]فأراد هاهنا بالذين آمنوا الذين صدقوا من غير علم،و ميزهم عن الذين أوتوا العلم.و يدل ذلك على أن اسم المؤمن يقع على المقلد،و إن لم يكن تصديقه عن بصيرة و كشف.و فسر ابن عباس رضى اللّه عنهما قوله تعالى وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ [٣]فقال يرفع اللّه العالم فوق المؤمن بسبعمائة درجة،بين كل درجتين كما بين السماء و الأرض و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«أكثر أهل الجنّة البله و علّيّون لذوي الألباب» و قال صلى اللّه عليه و سلم[٣]«فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» و في رواية«كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» فبهذه الشواهد يتضح لك تفاوت درجات أهل الجنة بحسب تفاوت قلوبهم و معارفهم.
و لهذا كان يوم القيامة يوم التغابن، إذ المحروم من رحمة اللّه عظيم الغبن و الخسران،و المحروم يرى فوق درجته درجات عظيمة،فيكون نظره إليها كنظر الغنى الذي يملك عشرة دراهم،
[١] آل عمران:١٣٩
[٢] المجادلة:١١
[٣] المجادلة:١١