إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٩ - المثال الثاني يعرفك الفرق بين العملين
وسيلة و قربة إلى اللّه تعالى.و أما ما حصله من نفس العلم،و ما حصله من الصفاء و الاستعداد لقبول نفس العلم،فلا غنى به عنه،و لا سعادة لأحد إلا بالعلم و المعرفة،و بعض السعادات أشرف من بعض،كما أنه لا غنى إلا بالمال،فصاحب الدرهم غنى،و صاحب الخزائن المترعة غنى،و تفاوت درجات السعداء بحسب تفاوت المعرفة و الإيمان،كما تتفاوت درجات الأغنياء بحسب قلة المال و كثرته.فالمعارف أنوار،و لا يسعى المؤمنون إلى لقاء اللّه تعالى إلا بأنوارهم قال اللّه تعالى يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ [١]و قد روى في الخبر[١]«إنّ بعضهم يعطى نورا مثل الجبل و بعضهم أصغر حتّى يكون آخرهم رجلا يعطى نورا على إبهام قدميه فيضيء مرّة و ينطفئ أخرى فإذا أضاء قدّم قدميه فمشى و إذا طفئ قام و مرورهم على الصّراط على قدر نورهم،فمنهم من يمرّ كطرف العين و منهم من يمرّ كالبرق و منهم من يمرّ كالسّحاب و منهم من يمرّ كانقضاض الكواكب و منهم من يمرّ كالفرس إذا اشتدّ في ميدانه و الّذي أعطى نورا على إبهام قدمه يحبو حبوا على وجهه و يديه و رجليه يجرّ يدا و يعلّق أخرى و يصيب جوانبه النّار فلا يزال كذلك حتّى يخلص»الحديث.
فبهذا يظهر تفاوت الناس في الإيمان و لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين سوى النبيين و المرسلين لرجح. فهذا أيضا يضاهي قول القائل:لو وزن نور الشمس بنور السرج كلها لرجح، فإيمان آحاد العوام نوره مثل نور السراج،و بعضهم نوره كنور الشمع،و إيمان الصديقين نوره كنور القمر و النجوم،و إيمان الأنبياء كالشمس. و كما ينكشف في نور الشمس صورة الآفاق مع اتساع أقطارها،و لا ينكشف في نور السراج إلا زاوية ضيقة من البيت فكذلك تفاوت انشراح الصدر بالمعارف،و انكشاف سعة الملكوت لقلوب العارفين.
و لذلك جاء في الخبر[٢]«أنّه يقال يوم القيامة أخرجوا من النّار من كان في قلبه مثقال
[١] الحديد:١٢