إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨ - المثال الثاني يعرفك الفرق بين العملين
القيامة خفافا» ثم قال في وصفهم إخبارا عن اللّه تعالى«ثمّ أقبل بوجهي عليهم أ ترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أيّ شيء أريد أن أعطيه»ثم قال تعالى«أَوَّلُ مَا أُعْطِيهِمْ أَنْ أَقْذِفَ النُّورَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيُخْبِرُونَ عَنِّى كَمَا أُخْبِرُ عَنْهُمْ» و مدخل هذه الأخبار هو الباب الباطن فإذا الفرق بين علوم الأولياء و الأنبياء،و بين علوم العلماء و الحكماء هذا،و هو أن علومهم تأتي من داخل القلب،من الباب المنفتح إلى عالم الملكوت،و علم الحكمة يأتي من أبواب الحواس،المفتوحة إلى عالم الملك. و عجائب عالم القلب،و تردده بين عالمى الشهادة و الغيب، لا يمكن أن يستقصى في علم المعاملة،فهذا مثال يعلمك الفرق بين مدخل العالمين
المثال الثاني يعرفك الفرق بين العملين
،أعنى عمل العلماء،و عمل الأولياء،فإن العلماء يعملون في اكتساب نفس العلوم،و اجتلابها إلى القلب، و أولياء الصوفية يعملون في جلاء القلوب،و تطهيرها و تصفيتها و تصقيلها فقط فقد حكي أن أهل الصين و أهل الروم.و تباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش و الصور،فاستقر رأى الملك على أن يسلم إليهم صفة،لينقش أهل الصين منها جانبا و أهل الروم جانبا،و يرخي بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر.ففعل ذلك.
فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر،و دخل أهل الصين من غير صبغ،و أقبلوا يجلون جانبهم و يصقلونه.فلما فرغ أهل الروم،ادعى أهل الصين أنهم قد فرغوا أيضا، فعجب الملك من قولهم،و أنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ.فقيل و كيف فرغتم من غير صبغ؟فقالوا ما عليكم،ارفعوا الحجاب،فرفعوا،و إذا بجانبهم يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية،مع زيادة إشراق و بريق،إذ كان قد صار كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التصقيل.فكذلك عناية الأولياء بتطهير القلب و جلائه.و تزكيته و صفائه،حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق،كفعل أهل الصين.و عناية الحكماء و العلماء بالاكتساب،و نقش العلوم،و تحصيل نقشها في القلب.كفعل أهل الروم فكيفما كان الأمر فقلب المؤمن لا يموت،و علمه عند الموت لا يمحى،و صفاؤه لا يتكدر.و إليه أشار الحسن رحمة اللّه عليه بقوله:التراب لا يأكل محل الإيمان.بل يكون