إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٣ - بيان
و قال العلاء بن زياد:لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يزرع في القلب شهوة و قلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء و الصبيان.فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة.و عنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن،ثارت الشهوة،و عجز عن الوصول،فلا يحصل له إلا التحسر و إن استقبح،لم يلتذ و تألم لأنه قصد الالتذاذ،فقد فعل ما آلمه.فلا يخلو في كلتا حالتيه عن معصية،و عن تألم،و عن تحسر.و مهما حفظ العين بهذا الطريق،اندفع عن قلبه كثير من الآفات.فإن أخطأت عينه،و حفظ الفرج مع التمكن،فذلك يستدعى غاية القوة،و نهاية التوفيق فقد روى عن أبي بكر بن عبد اللّه المزني ،أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى،فتبعها،و راودها عن نفسها،فقالت له:لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي،و لكني أخاف اللّه.قال فأنت تخافينه و أنا لا أخافه!فرجع تائبا.فأصابه العطش حتى كاد يهلك.فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل،فسأله، فقال ما لك؟قال العطش.قال تعال حتى ندعو اللّه بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية.
قال مالي من عمل صالح فأدعو،فادع أنت.قال أنا أدعو و أمّن أنت على دعائي.فدعا الرسول،و أمّن هو،فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية.فأخذ القصاب إلى مكانه، فمالت السحابة معه فقال له الرسول،زعمت أن ليس لك عمل صالح،و أنا الذي دعوت و أنت الذي أمنت،فأظلتنا سحابة،ثم تبعتك.لتخبرني بأمرك.فأخبره فقال الرسول إن التائب عند اللّه تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه و عن أحمد بن سعيد العابد،عن أبيه،قال.كان عندنا بالكوفة شاب متعبد،لازم المسجد الجامع،لا يكاد يفارقه.و كان حسن الوجه،حسن القامة،حسن السمت.فنظرت إليه امرأة ذات جمال و عقل،فشغفت به ،و طال عليها ذلك.فلما كان ذات يوم،وقفت له على الطريق،و هو يريد المسجد.فقالت له يا فتى،اسمع منى كلمات أكلمك بها،ثم اعمل ما شئت.فمضى و لم يكلمها.ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه،و هو يريد منزله.فقالت له يافتى،اسمع منى كلمات أكلمك بها.فأطرق مليا و قال لها،هذا موقف تهمة،و أنا أكره