إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٤ - بيان
أن أكون للتهمة موضعا.فقالت له:و اللّه ما وقفت موقفى هذا جهالة منى بأمرك،و لكن معاذ اللّه أن يتشوف العباد إلى مثل هذا منى.و الذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي،لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير،و أنتم معاشر العباد على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها.و جملة ما أقول لك :أن جوارحى كلها مشغولة بك.فاللّه اللّه في أمري و أمرك.قال فمضى الشاب إلى منزله،و أراد أن يصلى،فلم يعقل كيف يصلى.فأخذ قرطاسا و كتب كتابا،ثم خرج من منزله،و إذا بالمرأة واقفة في موضعها.فألقى الكتاب إليها و رجع إلى منزله،و كان فيه،بسم اللّه الرحمن الرحيم،اعلمي أيتها المرأة،أن اللّه عز و جل إذا عضاه العبد حلم،فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره،فإذا لبس لها ملابسها غضب اللّه تعالى لنفسه،غضبة تضيق منها السموات و الأرض و الجبال و الشجر و الدواب.فمن ذا يطيق غضبه؟فإن كان ما ذكرت باطلا،فإنى أذكرك يوما تكون السماء فيه كالمهل،و تصير الجبال كالعهن،و تجثو الأمم لصولة الجبار العظيم.و إنى و اللّه قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري.و إن كان ما ذكرت حقا،فإنى أدلك على طبيب هدى،يداوي الكلوم الممرضة،و الأوجاع المرمضة.ذلك اللّه رب العالمين.فاقصديه بصدق المسألة، فإنى مشغول عنك بقوله تعالى وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنٰاجِرِ كٰاظِمِينَ مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاٰ شَفِيعٍ يُطٰاعُ يَعْلَمُ خٰائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ مٰا تُخْفِي الصُّدُورُ [١]فأين المهرب من هذه الآية،ثم جاءت بعد ذلك بأيام،فوقفت له على الطريق ،فلما رآها من بعيد، أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها.فقالت يافتى لا ترجع،فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدا بين يدي اللّه تعالى.ثم بكت بكاء شديدا.و قالت أسأل اللّه الذي بيده مفاتيح قلبك،أن يسهل ما قد عسر من أمرك.ثم إنها تبعته،و قالت امنن علىّ بموعظة أحملها عنك،و أوصني بوصية أعمل عليها.فقال لها أوصيك بحفظ نفسك، من نفسك،و أذكرك قوله تعالى وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفّٰاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مٰا جَرَحْتُمْ بِالنَّهٰارِ [٢]قال فأطرقت و بكت بكاء شديدا أشد من بكائها الأول،ثم أنها أفاقت،و لزمت بيتها،و أخذت
[١] غافر:١٨
[٢] الانعام:٥٩