إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٢ - بيان
تدعوا اللّه تعالى بصالح أعمالكم.فقال رجل منهم:اللّهمّ إنّك تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران و كنت لا أغبق قبلهما أهلا و لا مالا فنأى بي طلب الشّجر يوما فلم أرح عليهما حتّى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا و مالا فلبثت و القدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتّى طلع الفجر و الصّبية يتضاغون حول قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما،اللّهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصّخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه و قال الآخر:اللّهمّ إنّك تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ فراودتها عن نفسها فامتنعت منّى حتّى ألمّت بها سنة من السّنين فجاءتني فأعطيتها مائة و عشرين دينارا على أن تخلّى بيني و بين نفسها ففعلت حتّى إذا قدرت عليها قالت اتّق اللّه و لا تفضّ الخاتم إلاّ بحقّه.فتحرّجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها و هي من أحبّ النّاس إلىّ و تركت الذّهب الّذي أعطيتها.اللّهمّ إن كنت فعلته ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه فانفرجت الصّخرة عنهم غير أنّهم لا يستطيعون الخروج منها و قال الثّالث:اللّهمّ إنّى استأجرت أجراء و أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد فإنّه ترك الأجر الّذي له و ذهب فنمّيت له أجره حتّى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد اللّه أعطني أجرى فقلت كلّ ما ترى من أجرك من الإبل و البقر و الغنم و الرّقيق فقال يا عبد اللّه أ تهزأ بي؟فقلت لا أستهزئ بك فخذه فاستاقه و أخذه كلّه و لم يترك منه شيئا اللّهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك.ففرّج عنّا ما نحن فيه فانفرجت الصّخرة فخرجوا يمشون» فهذا فضل من تمكن من قضاء هذه الشهوات فعف.و قريب منه من تمكن من قضاء شهوة العين.فإن العين مبدأ الزنا.فحفظها مهم:و هو عسر،من حيث إنه قد يستهان به و لا يعظم الخوف منه.و الآفات كلها منه تنشأ.و النظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها،و المعاودة يؤاخذ بها.قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«لك الأولى و عليك الثّانية »أي النظرة.